
- الرحمة الغائبة
بقلم: خالد البنا
حين يسير المرء في شوارع مصر، لا يملك إلا أن يتوقف أمام مشهد يتكرر كل يوم حتى أصبح جزءًا من المألوف. قطة تبحث في أكوام القمامة عن لقمة تسد بها جوعها، وكلب يلهث تحت شمس الصيف الحارقة بحثًا عن جرعة ماء، وحمار يجر عربة تفوق قدرته، بينما تنهال عليه الضربات لأنه أبطأ من رغبة صاحبه.
هذه المشاهد لا تثير كثيرًا من الانتباه، لا لأنها نادرة، بل لأنها أصبحت عادية. وهنا تكمن المأساة الحقيقية؛ فحين يتحول الألم إلى منظر مألوف يفقد الناس حساسيتهم تجاهه، وتخفت في النفوس شعلة الرحمة التي هي أساس الحضارة الإنسانية.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن المجتمع كثيرًا ما يحتقر الحيوانات الأليفة الوديعة، بينما يمجد الحيوانات المفترسة. فالإنسان يشبه نفسه بالأسد والنسر والصقر، ويفاخر بالقوة والافتراس والسيطرة، لكنه يستخدم أسماء الكلب والحمار على سبيل السخرية والإهانة.
والعجيب أن الكلب، الذي صار رمزًا للسب في كثير من البيئات الشعبية، هو من أكثر الحيوانات وفاءً لصاحبه. والحمار، الذي يُضرب به المثل في الغباء، ظل آلاف السنين يحمل أعباء الإنسان وينقل محاصيله ومتاعه دون شكوى. ومع ذلك لم ينل أي منهما الاحترام الذي يستحقه.
إن المشكلة هنا ليست في الحيوان، بل في منظومة ثقافية طويلة جعلت القوة معيارًا للتقدير، والضعف سببًا للازدراء. فالإنسان الذي لا يخشى إيذاء قطة صغيرة أو كلب أعزل يعلم في قرارة نفسه أن هذه المخلوقات لا تستطيع الرد عليه. أما إذا واجه حيوانًا مفترسًا أو قوة قادرة على العقاب، فإنه يتصرف بحذر شديد.
وهنا يبرز سؤال أخلاقي عميق: هل الرحمة تكون فقط مع من نخافه؟ أم أن قيمتها الحقيقية تظهر حين نتعامل مع من لا يملك الدفاع عن نفسه
لقد ارتبط تقدم الأمم تاريخيًا باتساع دائرة التعاطف. فالمجتمعات التي تعلمت احترام الأطفال والمرضى وكبار السن والحيوانات والبيئة هي نفسها المجتمعات التي نجحت في بناء نظم أكثر إنسانية وعدلًا. أما المجتمعات التي اعتادت القسوة على الضعفاء فإن هذه القسوة لا تتوقف عند الحيوان، بل تمتد تدريجيًا إلى الإنسان نفسه.
إن الطفل الذي يتعلم رجم القطط بالحجارة قد لا يدرك أنه يتدرب، من حيث لا يشعر، على قتل التعاطف في داخله. والإنسان الذي يعتاد رؤية الحيوان يتألم دون أن يتحرك وجدانه يفقد شيئًا من إنسانيته في كل مرة يمر فيها على هذا المشهد.
وليس المقصود من هذا الحديث تمجيد الحيوان أو مساواته بالإنسان، وإنما المقصود هو الدفاع عن قيمة الرحمة نفسها. فالرحمة ليست هدية نقدمها للحيوان، بل هي فضيلة نحافظ بها على إنسانيتنا.
إن الحضارة لا تُقاس بعدد المباني الشاهقة ولا بطول الطرق والكباري فقط، بل تُقاس أيضًا بطريقة معاملة أضعف الكائنات فيها. وحين تصبح القطة الجائعة موضع عناية، والكلب المصاب موضع شفقة، والحمار المنهك موضع احترام، يمكن القول إن المجتمع قد خطا خطوة حقيقية نحو الرقي.
فالرحمة ليست ضعفًا كما يتصور البعض، بل هي أعلى درجات القوة الأخلاقية. والقوي حقًا ليس من يستطيع أن يؤذي الضعيف، وإنما من يستطيع أن يحميه.
هذا النص يتبنى رؤية نقدية اجتماعية وأخلاقية، لكنه لا يفترض أن كل المصريين يتصرفون بهذه الصورة؛ فهناك أيضًا أفراد وجمعيات ومتطوعون يبذلون جهودًا كبيرة في رعاية الحيوانات ومساعدتها.
ونحن نتجنب التعميم المطلق على جميع المصريين، لأن المجتمع يضم أيضًا كثيرًا من الأشخاص الذين يعتنون بالحيوانات وينشئون الملاجئ ويطعمون القطط والكلاب في الشوارع.




