إسحاق نيوتن… وجوه لا تعرفها

إسحاق نيوتن… وجوه لا تعرفها
أيمن بحر
ربما يكون اسم نيوتن هو ثاني أشهر اسم لعالِم في تاريخ الإنسانية بعد أينشتاين، لكنه في تاريخ الهندسة تحديداً لا يُنازَع.
أول مرة سمعت هذا الاسم كانت في المدرسة، ثم توطدت العلاقة في كلية الهندسة حين أدركت للمرة الأولى الحجم الحقيقي لما بناه هذا الرجل. ما فعله نيوتن لم يكن مجرد قوانين تُحفظ وتُطبَّق، بل أساس يقوم عليه تقريباً كل ما نسميه هندسة على هذه الأرض.
هذا الإدراك هو الذي جعلني أقرأ عنه كثيراً بعد ذلك. وأنا أقرأ، كان الإعجاب يتعمق؛ لأنني اكتشفت أن الرجل الذي أعطانا كل هذا كان أكبر وأغنى وأكثر إثارة بكثير من الصورة التي رسمتها له الكتب المدرسية.
نيوتن الذي نعرفه..
في عامَي 1665 و1666 أغلقت جامعة كامبريدج أبوابها بسبب وباء الطاعون، فعاد نيوتن الشاب إلى بلدته الصغيرة. كان في الثالثة والعشرين من عمره. في تلك العزلة القسرية، وفي غضون أقل من عامين، وضع الأسس الأولى لحساب التفاضل والتكامل، وصاغ نظريته في الجاذبية، وكشف طبيعة الضوء وتحليله بالمنشور.
تخيّل شاباً في الثالثة والعشرين، في بيت عائلته الريفي، والطاعون يُغلق العالم من حوله، والسماء هي الشيء الوحيد المفتوح أمامه. في تلك العزلة وضع الأسس العلمية التي غيّرت تاريخ البشرية.
عامان. في بلدة صغيرة. وحيداً.
هذا ما نعرفه عن نيوتن، وهو وحده يكفي لأن يجعله اسماً لا يُنسى. لكن ما لا تقوله الكتب المدرسية أكثر إثارة بكثير.
نيوتن والله… العلاقة التي لم تنقطع
الصورة الشائعة للعلماء العظام في الغرب أنهم كانوا إما ملحدين أو بعيدين عن الدين. نيوتن يكسر هذه الصورة كسراً تاماً.
كتب نيوتن في اللاهوت والكتاب المقدس أكثر مما كتب في الفيزياء والرياضيات مجتمعَين. لم يكن ذلك هواية جانبية، بل كان يؤمن إيماناً عميقاً أن دراسة الكون هي في جوهرها قراءة في عقل الله وإتقان فهم خلقه. حين سُئل عن الجاذبية قال ما معناه: الجاذبية تفسر حركة الكواكب، لكنها لا تفسر من الذي حرّكها في البداية.
كان نيوتن يقرأ الكتاب المقدس بعقل الباحث لا بعين المقلّد. وقد وصل من خلال دراسته المستقلة إلى قناعات آريوسية خالف بها العقيدة الرسمية للكنيسة، وكان يُعدّ الإفصاح عنها أمراً بالغ الخطورة.
لكن نيوتن لم يُعلنها قط. كتب رسالة سرية يُثبت فيها رأيه والنتائج التي وصل إليها، ولم ينشرها، بل أرسلها في سر إلى صديقه الفيلسوف جون لوك وحده.
وحمل ما تبقى معه إلى قبره.
لم نعرف حجم هذا السر إلا بعد موته بأكثر من مئتي عام، حين طُرحت أوراقه ومخطوطاته في مزاد علني عام 1936. الاقتصادي الشهير جون ماينارد كينز هو من اشتراها وقرأها، فصُدم مما وجد. وقال جملته التي صارت من أشهر ما قيل عن نيوتن: “لم يكن أول عقلاء العصر الحديث، بل كان آخر السحرة.”
نيوتن أراد أن يحمل سره وحده، ونجح. مئتا عام من الصمت الكامل.
نيوتن والكيمياء…
كان نيوتن، ذلك الرجل الذي أسس الفيزياء والرياضيات الحديثة، مولعاً أيضاً بالكيمياء بمفهومها القديم، ذلك العلم الذي يبحث في تحويل المعادن وكشف أسرار المادة. وأمضى سنوات طويلة في تجاربها، وكتب فيها كثيرا.
تخيّله منحنياً فوق أفران مشتعلة في منتصف الليل، وأمامه أوراق ممتلئة بملاحظات لا يفهمها أحد غيره. لم يكن يبحث عن الذهب كما يظن كثيرون. كان يبحث عن الشيء نفسه الذي بحث عنه في السماء وفي الكتاب المقدس: نظام خفي وراء كل شيء. العلماء اليوم يرجّحون أن سنوات التعامل مع الزئبق ساهمت في انهياره النفسي عام 1693، حين قطع علاقاته بالعالم لأشهر وكتب رسائل غريبة لأصدقائه لا تشبه عقله في شيء.
نيوتن والخصوم… الانتقام البارد
كان نيوتن في خلافاته لا يرحم ولا ينسى.
خلافه مع العالِم هوك بدأ علمياً وانتهى شخصياً. وحين أصبح نيوتن رئيساً للجمعية الملكية بعد وفاة هوك، اختفت الصورة الوحيدة الموجودة له. لا أحد يعلم بيقين، لكن التاريخ يُلمّح.
وخلافه مع لايبنتز على اختراع حساب التفاضل والتكامل تحوّل إلى معركة مؤسسية. استخدم نيوتن نفوذه كرئيس للجمعية الملكية ليُشكّل لجنة التحقيق في القضية، ثم كتب تقريرها بنفسه.
وأمضى السنوات الأخيرة من حياته مسؤولاً عن دار سك العملة البريطانية، وكان في ملاحقة المزوّرين لا يعرف التساهل. جمع الأدلة بنفسه وأرسل كثيرين منهم إلى حبل المشنقة.
نيوتن المنعزل…
لم يتزوج نيوتن قط. لم تُعرف له علاقة عاطفية في حياته كلها. كان يضحك نادراً، وكان شُغله الشاغل هو عقله وما يدور فيه. قضى سنوات في كامبريدج يُلقي محاضراته وأحياناً لا يحضرها أحد فيُكملها وحده ثم يعود.
الوحدة لم تكن عقوبة بالنسبة له. كانت الشرط.
العبقرية الحقيقية لا تأتي من إنسان مُصفَّى مكتمل، بل من إنسان كامل التعقيد: بعلمه وإيمانه وأسراره وتناقضاته وانعزاله وجراحه.
نعم، نال نيوتن ما يتمناه كثيرون؛ منحته الملكة آن لقب الفارس عام 1705، ليصبح السير إسحاق نيوتن، وتولّى رئاسة الجمعية الملكية أربعةً وعشرين عاماً، واحتشد العلماء والنبلاء لتوديعه حين مات، ودُفن في وستمنستر آبي حيث يرقد ملوك إنجلترا وعظماؤها.
لكن كل هذا التكريم لم يلمس شيئاً في جوهره. ظل الرجل نفسه، وحيداً داخل عقله، حاملاً أسراره، باحثاً عن نظام خفي لا يراه غيره.
وفي كل مرة يكتب مهندس حرف (N)، وحدة القوة التي تحمل اسمه، في معادلة، لا يعلم في الغالب أنه يستحضر اسم رجل أعطى العالم أكثر بكثير مما عرف العالم كيف يردّه إليه.



