لم يكن ذنب الريح… كانوا أوراقًا
بقلم: داليا سمير شحاتة
كثيرًا ما نُحمِّل الرياح مسؤولية ما تفعله بنا الحياة، ونلعن الظروف حين تتبدل الوجوه، أو تتساقط العلاقات، أو يرحل أشخاص ظننا أنهم باقون إلى الأبد. لكن بعد هدوء العاصفة، وبعد أن تستقر الغبار، نكتشف حقيقة مختلفة تمامًا: لم يكن ذنب الريح… كانوا أوراقًا.
فالريح لا تصنع هشاشة الأوراق، بل تكشفها. لا تقتلع الجذور الراسخة، ولا تهزم الأشجار التي امتدت جذورها عميقًا في الأرض، لكنها تُسقط ما كان معلقًا بخيط ضعيف، وما كان يفتقد الثبات من الأصل.
وفي حياتنا، كثيرًا ما نظن أن الظروف هي التي غيرت الناس. نعتقد أن الأيام القاسية هي التي بدلت المواقف، وأن الأزمات هي التي أظهرت الأنانية أو الجفاء أو التخاذل. والحقيقة أن الشدائد لا تخلق الصفات، بل تُظهرها. فما كان مختبئًا خلف المجاملات والأوقات الهادئة يظهر جليًا عندما تهب رياح الاختبار.
عندما تضيق الأحوال، يتبين من يبقى ومن يرحل. وعندما تتعثر الخطوات، نعرف من يمد يده ومن يكتفي بالمشاهدة. وعندما تنطفئ الأضواء، نرى بوضوح أولئك الذين كانوا يحبوننا حقًا، وأولئك الذين كانوا يحبون وجودهم إلى جوارنا فقط.
ولعل أجمل ما في العواصف أنها، رغم قسوتها، تمنحنا فرصة نادرة لمعرفة الحقائق. فهي تزيل الأقنعة، وتكشف المعادن، وتعيد ترتيب الأشخاص في قلوبنا وفق أحجامهم الحقيقية لا وفق الصور التي رسمناها لهم.
لذلك، لا تحزن كثيرًا على من أسقطتهم الريح من حياتك. فالأشخاص الذين يرحلون مع أول اختبار لم يكونوا سندًا حقيقيًا، والذين يتناثرون مع أول عاصفة لم يكونوا جذورًا في أرضك، بل أوراقًا عابرة حملها الهواء كما جاء بها.
فالريح لم تكن يومًا عدوةً للشجرة القوية، بل كانت امتحانًا يكشف مدى رسوخها. وكذلك الحياة؛ لا تؤذي الصادقين بقدر ما تكشفهم، ولا تُسقط الأقوياء بقدر ما تُظهر قوتهم.
وفي النهاية، ليس كل ما يسقط يستحق الحزن، وليس كل ما يرحل يستحق الندم. فبعض الأشياء تغادر لأن مكانها لم يكن في حياتنا منذ البداية.



