عندما يغيب الداخل

بقلم / داليا احمد بكري
ليست كل الخسارات ترى بالعين ولا كل الغيابات تعلن رحيلها بصوت مسموع فهناك فقدان يتسلل بهدوء كظل خفيف يعبر الروح دون ان يترك اثرا ظاهرا لكنه يعيد تشكيل العالم من الداخل فيصير كل شيء كما هو وتبقى انت مختلفا عن نفسك كأن الحياة لا تأخذ منك الاشياء دفعة واحدة بل تنتزع منك ببطء ذلك الضوء الصغير الذي كان يمنحك معنى الطريق فتسير وتبدو حاضرا بينما شيء عميق فيك يبتعد اكثر فأكثر
اصعب انواع الفقدان ان تستيقظ ذات يوم وتدرك انك لم تعد الشخص الذي تعرفه ان تبحث عن ضحكتك القديمة فلا تجدها وعن دهشتك الاولى فلا تعود اليك ان تفتقد تلك التفاصيل البسيطة التي كانت تصنعك دون ان تنتبه لها حماسك للفكرة دفء حضورك خفة قلبك حين كان الفرح يزورك بلا موعد ثم تكتشف انك صرت اكثر صمتا واقل اندفاعا وان الاشياء التي كانت تلمع في عينيك صارت تمر امامك بلا اثر
تبدأ الحكاية دون اعلان كبير تتعب روحك من محاولات متكررة للفهم ومن اسئلة بلا اجابة تتراكم الخيبات الصغيرة حتى تتحول الى جدار خفي يحجبك عن نفسك فتصير اكثر حذرا مع مشاعرك واكثر تحفظا مع احلامك وتخشى ان تمنح الحياة ثقتك من جديد كأنك تحمي ما تبقى منك من انكسار اخر فتكتشف انك في طريق الحماية فقدت ذلك الجزء النقي الذي كان يمنحك القدرة على البدء
والاشد قسوة ان هذا الفقدان لا يلاحظه احد لانك ما زلت تمارس يومك وتؤدي ادوارك وتبتسم حين يلزم الامر لكنك في داخلك تشعر ان مدينة كاملة انطفأت انك تفتقد نفسك وتحتاج الى من يردها اليك او ربما تحتاج الى لحظة صدق عميقة تعيدك الى جوهرك الذي ابتعد
ومع ذلك تظل النفس قادرة على العودة فهي لا تضيع تماما بل تختبئ في عمقك تنتظر ان تناديها ان تمنحها فرصة لتتنفس من جديد يكفي ان تقترب من ابسط الاشياء التي تحب ان تصغي لنبضك الداخلي ان تفتح نافذة صغيرة للضوء عندها تدرك ان ما فقدته لم يكن نهاية بل بداية طريق نحو نسخة اكثر وعيا منك فحين تعود الى نفسك يعود العالم اكثر اتساعا وتولد في قلبك طمأنينة تشبه اكتشاف الحياة للمرة الاولى



