الوحدة… حين تكون محاطًا بالجميع لكن لا يشعر بك أحد

بقلم : رواء مهدي
في عالمٍ مزدحم بالناس، مليء بالمحادثات والإشعارات والصور، قد يبدو من الغريب أن يشعر الإنسان بالوحدة. لكن الحقيقة المؤلمة أن الوحدة اليوم لم تعد مرتبطة بغياب الآخرين، بل بغياب الشعور الحقيقي بوجودهم.
قد تجلس بين أصدقائك، تضحك، تتحدث، تشارك اللحظة… لكن في داخلك فراغ لا يُملأ. شعور خفي بأن لا أحد يسمعك حقًا، ولا أحد يرى ما خلف ابتسامتك.
الوحدة الحديثة مختلفة. هي ليست صمت الغرف الفارغة، بل ضجيج العلاقات السطحية. هي محادثات طويلة بلا معنى، واهتمام مؤقت ينتهي عند أول انشغال. كل شيء يبدو موجودًا… إلا القرب الحقيقي.

وسائل التواصل الاجتماعي زادت هذا الشعور تعقيدًا. نرى حياة الآخرين مليئة بالناس والضحكات، فنقارنها بصمتنا الداخلي، فنظن أننا وحدنا في هذا الإحساس، بينما الحقيقة أن الكثيرين يخفون نفس الشعور خلف نفس الصور.
لكن ما لا ننتبه له، أن جزءًا من هذه الوحدة يبدأ من داخلنا. حين نهمل أنفسنا، حين نبحث عن قيمتنا في الآخرين، وحين ننسى أن نكون قريبين من ذواتنا قبل أن نطلب القرب من أي شخص.
حب الذات ليس رفاهية، بل ضرورة. أن تمنح نفسك وقتًا، أن تهتم بصحتك، أن تمارس الرياضة، أن تمشي قليلًا لتصفّي ذهنك… كل هذه التفاصيل الصغيرة ليست حلولًا مؤقتة، بل طرق حقيقية لإعادة التواصل مع نفسك. وعندما تجد نفسك، يصبح من الأسهل أن تجد الأشخاص الذين يشبهونك.
نحن لا نحتاج إلى المزيد من العلاقات، بل إلى علاقات صادقة. ولا يمكن أن نجد هذا الصدق في الخارج، إذا لم نبدأ به في الداخل.
في النهاية، الوحدة ليست في أن تكون وحدك… بل في أن تبتعد عن نفسك.
وحين تعود إليها، بكل هدوء وصدق، ستكتشف أن الطريق نحو الآخرين يبدأ من هناك.



