آداب وفنون

الحب

الحب اللغة التي سبقت الأديان

الحب… اللغة التي سبقت الأديان
بقلم خالد البنا
هذا الخاطر الذي نطرحه له جذور فلسفية وروحية عميقة. وقد اقترب منه كثير من الفلاسفة والمتصوفة، وإن اختلفوا في التعبير عنه. بعضهم رأى أن الحب صفة من صفات الله، وبعضهم رآه القوة التي تربط أجزاء الكون بعضها ببعض، وبعضهم رآه المعنى الذي يمنح الحياة قيمتها.

كنت أتأمل يومًا قطتين صغيرتين نائمتين فوق بعضهما البعض.لا قرآن بين أيديهما.ولا إنجيل.ولا توراة.ولا كتب فلسفة.
ومع ذلك كان هناك شيء واضح لا يحتاج إلى شرح.ودفء.وأمان.وسكينة.وحب.
وسألت نفسي من أين جاءت هذه اللغة
من علّم الطيور أن تعود إلى أعشاشها
ومن علّم الأم أن تضم طفلها إلى صدرها
ومن علّم الرضيع أن يهدأ عندما يشعر بقرب أمه
إن هناك لغة أقدم من الكلمات.
وأقدم من الأبجديات.وأقدم من العقائد.
إنها لغة الحب.ولعل الإنسان أخطأ حين ظن أن الحب مجرد عاطفة بين رجل وامرأة.
فالحب أوسع من ذلك بكثير.
إنه القوة التي تجعل الأم تسهر على طفلها.
والصديق يقف بجوار صديقه.
والإنسان يضحي من أجل من يحب.
بل ربما كان هو السر الذي يجعل الحياة نفسها تستمر.انظر إلى الأشجار.
جذورها تمتد في الأرض كأنها تعانقها.
انظر إلى النحل وهو يبحث عن الزهور.
وانظر إلى الطيور وهي تعود إلى أعشاشها بعد آلاف الكيلومترات.هناك ميل دائم نحو الارتباط.
نحو الاجتماع.نحو القرب.
كأن الكون كله يهرب من العزلة.
وقد أدرك بعض الفلاسفة ذلك بطريقتهم.
رأى أن الحب قوة تدفع الإنسان نحو الكمال.
ورأى أن أعلى مراتب المعرفة هي الحب العقلي لله.
أما فقد رأى أن الحب جزء من إرادة الحياة التي تدفع الكائنات إلى الاستمرار.
وفي التصوف الإسلامي نجد حديثًا طويلًا عن المحبة بوصفها سر الوجود كله.
حتى إن بعض المتصوفة كانوا يرون أن الله لم يُعرف أول ما عُرف بالخوف، بل بالمحبة.
لكن المفارقة العجيبة أن البشر الذين يتحدثون عن المحبة أكثر من غيرهم قد يكونون أكثر الناس خصومة.
كل جماعة تحب نفسها.
وكل طائفة ترى أنها المختارة.
وكل أمة ترى أنها الأقرب إلى الحق.
بينما الطفل الصغير لا يعرف هذه الحدود.
والقطة لا تعرفها.والعصفور لا يعرفها.والشجرة لا تعرفها.إن القبلة مفهومة في كل اللغات.
والعناق مفهوم في كل اللغات.
والابتسامة مفهومة في كل اللغات.
والدمعة مفهومة في كل اللغات.
وكأن الإنسانية تمتلك دستورًا قديمًا سابقًا على جميع الكتب.
دستورًا لا يُكتب بالحبر بل بالمشاعر.
ومن هنا خطر لي سؤال
عندما يقول القرآن ألا بذكر الله تطمئن القلوب، هل يمكن أن يكون المقصود أكثر من مجرد ألفاظ تُتلى
هل يمكن أن يكون ذكر الله الحقيقي هو استحضار تلك القوة التي تجعل الأم أمًا، وتجعل الرحمة رحمة، وتجعل الإنسان يشعر بأنه ليس وحيدًا في هذا الكون؟
لا أدري.
لكنني كلما رأيت كائنًا يحن إلى كائن آخر، أو قلبًا يفتح بابه لقلب آخر، شعرت أن في العالم سرًا واحدًا يتكرر بألف صورة.بعض الناس يسمونه الله.وبعضهم يسمونه الرحمة.
وبعضهم يسمونه المحبة.
لكن الجميع يشعرون بأثره عندما يمر في قلوبهم.
ولعل مأساة الإنسان ليست في قلة الحب.
بل في أنه يتحدث عنه كثيرًا، ويمارسه قليلًا.
ومن الناحية الفلسفية، نعم، هناك من ذهب أبعد من ذلك. فـإريك فروم في كتابه فن الحب اعتبر الحب قدرة إنسانية أساسية تربط الإنسان بالعالم. كما رأى بيير تيلار دي شاردان أن الحب ليس مجرد شعور، بل قوة توحيد في الكون تشبه في أهميتها الجاذبية في العالم المادي.
لكن من المهم التمييز بين المعنى الشعري والمعنى العلمي. فعندما نقول إن الذرات تحب بعضها أو إن الأشجار تحب الأرض، فهذا تعبير مجازي جميل عن الترابط والاعتماد المتبادل، وليس حبًا بالمعنى الشعوري الذي يعرفه الإنسان أو الحيوان.
ومع ذلك، فإننا نلاحظ أن الحب أصبح محور تفكير طويل عند الفلاسفة والمتصوفة لماذا يميل الوجود الحي إلى الارتباط والتقارب والتعاطف ولماذا يشعر الإنسان أن الحب يمنحه سكينةً تشبه ما تمنحه له التجربة الدينية؟ هذه من أقدم الأسئلة التي ما زالت مفتوحة حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى