
بقلم الإعلامية الشاعره
قدريه مصطفي
في أحد الأزقة الهادئة، كانت هناك نافذة صغيرة تظلُّ مفتوحة طوال النهار، حتى ظنَّ أهل الحي أنَّها لا تعرف الإغلاق أبدًا.
خلف تلك النافذة كانت تعيش امرأة تُدعى “أمينة”، تجاوزت الستين من عمرها، لكنَّ ملامحها كانت تحمل حزن سنواتٍ طويلة، لا تُخفيه ابتسامة، ولا تُبدده كلمات.
اعتادت أمينة أن تجلس كل صباح بجوار نافذتها الخشبية، تُراقب الأطفال وهم يذهبون إلى مدارسهم، وتتابع العابرين بصمتٍ يشبه الدعاء.
لم يكن لها أحد.
رحل زوجها منذ أعوام، وتفرَّق أبناؤها في المدن البعيدة، حتى صار البيت الكبير أشبه بمحطة مهجورة لا يطرق بابها أحد.
وفي مساءٍ بارد، انقطعت الكهرباء عن الحي بأكمله، وغرقت الشوارع في ظلامٍ كثيف. جلس الجميع داخل منازلهم، إلا أمينة، فقد أشعلت شمعة صغيرة، ووضعتها بجوار نافذتها المفتوحة.
رأى أهل الحي الضوء الخافت يتسلل من نافذتها، فشعروا بشيءٍ من الطمأنينة وسط العتمة.
وبعد قليل، سمعوا صوت طفل يبكي في الشارع. كان صغيرًا قد ضلَّ طريقه، يرتجف خوفًا وبردًا. خرجت أمينة مسرعة، واحتضنته بحنانٍ دافئ، ثم أخذته إلى منزلها، وقدمت له الطعام والغطاء.
ظلَّ الطفل ينظر إليها بصمت، ثم قال: ـ لماذا تساعدينني وأنتِ لا تعرفينني؟
ابتسمت أمينة، ومسحت على رأسه قائلة: ـ لأنَّ القلوب الطيبة لا تحتاج إلى معرفة الأسماء.
في تلك الليلة، شعر أهل الحي أن نافذة أمينة لم تكن مجرد نافذة، بل كانت قلبًا مفتوحًا للجميع.
ومنذ ذلك اليوم، تغيَّر كل شيء.
صار الجيران يزورونها، ويطرق الأطفال بابها كل صباح، وعاد البيت المهجور يمتلئ بالحياة من جديد.
أما النافذة، فلم تُغلق أبدًا… لأنَّ النور الحقيقي لا يُطفأ حين يسكن القلوب.
@إشارة




