أخبار مصريةالأسرة والمجتمعحوادث وقضايامقالات الرأي

كانت ذاهبة لتحتضن ابنتها… فعادت إلى أهلها جثمانًا

رسالة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي وكل مسؤول في جمهورية مصر العربية بعد مقتل المحامية نهاد الرشيدي في جريمة هزّت ضمير الوطن

بقلم: م / أمير وليد عوض
الرئيس الإقليمي لجريدة زون نيوز جلوبال في جمهورية مصر العربية
في يوم عرفة…
اليوم الذي تتنزّل فيه الرحمات، وتبكي فيه القلوب خوفًا من الله وطمعًا في مغفرته، خرجت المحامية الشابة “نهاد سيد الرشيدي” وقلبها معلّق بابنتها الصغيرة التي حُرمت منها قهرًا منذ أسابيع.
لم تكن تحمل سلاحًا…
لم تكن ذاهبة لمعركة…
كانت فقط أمًا تريد أن ترى طفلتها.
خرجت بقلب أمٍ أنهكه الاشتياق، تحمل داخلها ألف دعوة وألف خوف، ظنّت أن الرحمة ربما ما زالت موجودة في قلب من كان يومًا زوجًا لها… لكنها لم تكن تعلم أنها تسير نحو النهاية الأخيرة في حياتها.
كانت ذاهبة لتسمع كلمة “ماما”…
فعادت ملفوفة بالكفن.
أي بشاعة هذه التي وصلنا إليها؟
أي قسوة تجعل إنسانًا يستدرج أم طفله إلى الموت؟
أي ظلام يسكن القلوب حتى تُرتكب جريمة بهذه الوحشية في يومٍ عظيم كهذا؟
دخلت نهاد إلى الشقة…
وفي الداخل كانت الإنسانية تُذبح.
هناك، وسط جدران صامتة، تحولت أم شابة إلى ضحية جديدة من ضحايا الغدر والعنف، بعدما تعرضت لاعتداء وحشي على يد طليقها وبمعاونة آخرين، بينما كانت طفلتها الصغيرة تشاهد الكارثة بعينيها البريئتين.
طفلة ستكبر وهي تحمل داخل ذاكرتها مشهدًا لن يموت.
ستسأل يومًا:
أين أمي؟
ولماذا أخذوها مني؟
أي ذنب ارتكبته هذه الصغيرة لتعيش عمرها كله مطاردة بالخوف والوجع؟
إن ما حدث ليس مجرد “خبر” يُنشر لساعات ثم يختفي، وليس مجرد قضية جنائية جديدة داخل ملفات المحاكم…
ما حدث انهيار أخلاقي مرعب، وصفعة موجعة لكل ضمير حي.
اليوم تبكي رشيد…
وتبكي الإسكندرية…
ويبكي كل بيت مصري شعر للحظة أن هذه الضحية ربما كانت أخته، أو ابنته، أو زوجته، أو حتى أمه.
السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي…
هذه الجريمة ليست فقط صرخة أم قُتلت ظلمًا، بل صرخة مجتمع بأكمله يطالب بأن يشعر بالأمان.
نحن لا نطلب المستحيل…
نطلب فقط أن تعرف كل امرأة في هذا الوطن أن القانون سيحميها، وأن يد العدالة ستصل سريعًا لكل من تسوّل له نفسه تحويل الخلافات الأسرية إلى أنهار من الدم والدموع.
إن أرواح الضحايا لا يجب أن تتحول إلى أرقام.
وصرخات الأطفال لا يجب أن تضيع وسط زحام الأخبار.
لقد رحلت نهاد…
لكن خلفها طفلة مكسورة، وأسرة دفنت روحها قبل أن تدفن ابنتها، ومدينة كاملة ترتجف من هول ما حدث.
رحلت وهي صائمة في يوم عرفة…
رحلت وقلبها مليء بالشوق لطفلتها…
رحلت بعدما خانها من كان من المفترض أن يكون مصدر أمان لها.
أي وجع أكبر من هذا؟
وأي قهر يمكن أن يحتمله قلب إنسان؟
إننا اليوم لا نكتب مقالًا…
بل نكتب وجع وطن.
وفي النهاية…
إذا كانت نهاد قد رحلت اليوم، فإن الخوف الذي تركته هذه الجريمة لن يرحل بسهولة من قلوب آلاف النساء اللاتي أصبحن يتساءلن في صمت مرعب:
هل أصبح الحب يمكن أن يتحول إلى قاتل؟
وهل صار البيت الذي خُلق ليكون أمانًا… أقرب مكان للموت؟
إن الوطن الذي تبكي فيه طفلة لأنها رأت أمها تُقتل أمام عينيها، هو وطن يحتاج أن يتوقف طويلًا أمام نفسه، أمام قوانينه، أمام ضميره، وأمام كل صرخة استغاثة لم يسمعها أحد إلا بعد فوات الأوان.
اليوم لم تُقتل نهاد وحدها…
بل قُتل الأمان داخل قلوب كثير من النساء، واهتزّت ثقة مجتمع كامل في معنى الرحمة والإنسانية.
وسيبقى المشهد محفورًا في ذاكرة الوطن:
أم صائمة في يوم عرفة، خرجت فقط لترى ابنتها… فعادت جثمانًا.
أي مأساة أبشع من أن تتحول كلمة “ماما” التي كانت تنتظرها بشوق، إلى آخر حلم أخذته معها إلى قبرها؟
إن القصاص العادل اليوم ليس انتقامًا…
بل رسالة إلى كل مجرم يظن أن بإمكانه الإفلات من دموع الأمهات، وصرخات الأطفال، ودماء الأبرياء.
وربما بعد سنوات…
ستكبر تلك الطفلة، وستقرأ يومًا كيف ماتت أمها، وستعرف أن العالم كله بكى لأجلها… لكن شيئًا واحدًا فقط سيبقى السؤال الأصعب في قلبها:
لماذا لم يرحموا أمي؟
رحم الله نهاد سيد الرشيدي رحمةً تليق بوجعها، وجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وألهم طفلتها الصبر، وجعل هذه الجريمة بداية صحوة حقيقية قبل أن نفقد المزيد من الأرواح البريئة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى