سياسة

مجلس الشعب المعين

انتخابات شكلية

حين تتحول الانتخابات إلى طقس شكلي
بقلم خالد البنا
قراءة في أزمة التمثيل السياسي بين صندوق الانتخاب ومجالس التعيين

ليست المأساة في أن يختلف الناس، فالمجتمعات الحية لا تقوم إلا على التعدد والاختلاف، وإنما المأساة الحقيقية أن يفقد الناس إيمانهم بأن أصواتهم تملك أثرًا حقيقيًا في صناعة القرار. هنا فقط يبدأ الصدع العميق في جدار الدولة الوطنية؛ الدولة التي تقوم في أصل معناها على فكرة المواطنة، لا على فكرة الرعية، وعلى فكرة الشريك، لا التابع.
إن صندوق الانتخابات في أي دولة حديثة ليس مجرد صندوق خشبي توضع فيه الأوراق، بل هو عقد معنوي بين المجتمع والسلطة. المواطن يقول من خلاله: “أنا أشارك في صناعة مستقبلي”، والدولة تقول في المقابل: “إرادتك محترمة”. فإذا اختلت هذه المعادلة، وتحول الصندوق إلى إجراء شكلي، أو إلى وسيلة لإخراج نتائج معدة سلفًا، فإن الخطر لا يقع على البرلمان وحده، بل على فكرة الدولة نفسها.
لقد عرف التاريخ العربي مجالس كثيرة كانت تشبه البرلمانات في الشكل، لكنها في الحقيقة لم تكن سوى قاعات للمديح السياسي. ففي العصرين الأموي والعباسي، ظهر شعراء البلاط الذين لم تكن مهمتهم مراقبة الحاكم أو نقده، بل تزيين الواقع وتجميل الأخطاء وإضفاء البطولة على كل قرار. وكان الشاعر يقترب من السلطان بقدر ما يبتعد عن الناس. وحين نقرأ هذا التاريخ اليوم، ندرك أن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة عامة هو أن تتحول من صوت للمجتمع إلى صدى للسلطة.
إن النائب الذي يصل بإرادة حقيقية من الناس يشعر أن بقاءه مرتبط بخدمة الناس. أما الذي يصل عبر ترتيبات فوقية أو عبر تدخلات خفية، فإنه يدرك منذ اللحظة الأولى أن ولاءه ليس للناخبين بل لمن مهّد له الطريق. وهنا يتغير معنى التمثيل كله. يصبح المجلس أقرب إلى مؤسسة إدارية منه إلى ساحة نقاش وطني. ويتحول العضو المنتخب إلى موظف ينتظر الإشارة، لا إلى ممثل يملك الإرادة.
ومن أخطر نتائج ذلك أن المواطن يفقد ثقته تدريجيًا في جدوى المشاركة السياسية. فالإنسان البسيط الذي يقف ساعات أمام لجنة انتخابية يريد أن يشعر أن صوته له قيمة. فإذا اكتشف أن النتائج لا تعكس ما رآه وما عاشه، بدأ شعور العجز يتسلل إليه. ومع الوقت تتحول الانتخابات في نظره إلى طقس موسمي لا يغير شيئًا في حياته اليومية، فتضعف المشاركة، ويتسع الفراغ بين المجتمع والدولة.
ولا يقف الضرر عند المواطن فقط، بل يمتد إلى العضو نفسه. فالنائب الذي لا يملك استقلالًا حقيقيًا يفقد ثقته في دوره، وقد يشعر أن حضوره جلسات المجلس بلا جدوى، لأنه يعلم أن القرار النهائي لا يُصنع تحت القبة، بل في أماكن أخرى. لذلك نرى أحيانًا أعضاء عاجزين عن حل أبسط المشكلات المحلية، ينتظرون توقيعًا إداريًا أو موافقة من مسؤول تنفيذي، وكأنهم فقدوا جوهر وظيفتهم الأساسية.
ومن هنا يطرح بعض المفكرين سؤالًا شديد الحساسية: هل الأفضل لمجتمع يعاني من ضعف التمثيل أن يعتمد على مجالس منتخبة شكليًا، أم على مجالس كفاءات حقيقية تضم أساتذة جامعات وخبراء ومتخصصين؟
إن هذا السؤال ليس سهلًا، لأنه يمس جوهر الفلسفة السياسية الحديثة. فالديمقراطية ليست مجرد كفاءة إدارية، بل مشاركة شعبية أيضًا. وقد يملك الخبير علمًا واسعًا، لكنه قد يفتقد الإحساس المباشر بمعاناة الناس اليومية. وفي المقابل قد يملك ممثل الشعب الصلة بالمجتمع لكنه يفتقد الخبرة الفنية.
ولهذا فإن المجتمعات المتقدمة لم تختر أحد الطريقين بالكامل، بل حاولت الجمع بين الشرعية الشعبية والكفاءة العلمية. فأنشأت برلمانات منتخبة حقيقية، وفي الوقت نفسه استعانت بمراكز بحث وهيئات استشارية وخبراء مستقلين. لأن الدولة الحديثة لا تبنى بالتصفيق وحده، ولا تبنى كذلك بالنخبة المعزولة وحدها، بل تبنى بالتوازن بين صوت الناس وصوت المعرفة.
إن أخطر ما يهدد أي وطن ليس المعارضة، بل انعدام الثقة. فحين يشعر المواطن أن المؤسسات لا تعبر عنه، يبدأ الانسحاب الصامت من المجال العام. وحين يشعر المسؤول أن موقعه لا يعتمد على رضا الناس، يفقد الدافع الحقيقي للإصلاح. وبين هذين الشعورين تتراكم الأزمات عامًا بعد عام، حتى يصبح المجتمع مثقلًا بمشكلاته، عاجزًا عن تجديد نفسه.
ولذلك فإن إصلاح الحياة السياسية لا يبدأ بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار لفكرة التمثيل الحقيقي، وبضمان الشفافية، وبأن يشعر المواطن أن صوته يمكن أن يصنع فرقًا فعليًا. لأن الدولة التي تحترم إرادة الناس لا تخشى من أصواتهم، بل تعتبرها مصدر قوتها وشرعيتها واستمرارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى