آداب وفنون

التجاوز والتغافل في الحب

التجاوز والتغافل حين يكون الحب أكبر من الانتصار للنفس

بقلم / داليا أحمد بكري

ليست العلاقات القوية هي التي تخلو من الخلافات ولا هي التي لا تعرف الغياب ولا هي التي تسير دائمًا كما نشتهي بل العلاقات الحقيقية هي التي تعرف كيف تعبر العواصف دون أن تفقد روحها

فليس كل كلمة تستحق الرد وليس كل موقف يستحق الخصام وليس كل خطأ يستحق الرحيل

هناك علاقات أنهكتها الرغبة في إثبات من المخطئ بينما كانت تحتاج فقط إلى قلب يتجاوز وعقل يتغافل وروح تؤمن أن المحبة أكبر من كبرياء اللحظة

لقد أصبح كثيرون يتعاملون مع الحب بمنطق المحاكم لا بمنطق القلوب يحاسبون على كل كلمة ويفتشون عن كل هفوة ويبحثون عن الدليل قبل أن يبحثوا عن العذر حتى أصبحت العلاقات تسقط من كثرة التدقيق لا من قلة المشاعر

والحقيقة التي يغفل عنها الكثير أن التجاوز ليس تنازلًا عن الكرامة بل هو ارتقاء بالنفس لأن الإنسان الناضج لا يقيس قيمة العلاقة بعدد الأخطاء التي وقعت فيها بل بقدرتها على النجاة منها

أما التغافل فهو أحد أرقى أشكال الذكاء العاطفي لأنه لا يعني تجاهل الحقيقة وإنما يعني أن تمنح من تحب مساحة ليكون إنسانًا يخطئ ويصيب ويتعب ويضعف دون أن يشعر في كل مرة أنه مهدد بخسارتك

وإذا كانت المسافات تسرق من المحبين دفء اللقاء فإن حسن الظن يعيد إليهم دفء القلوب فالبعد لا يقتل الحب ولكن سوء الفهم يفعل والصمت لا يهدم العلاقات ولكن سوء التأويل يهدمها والاشتياق لا يطفئ المشاعر وإنما الشك هو الذي يفعل

العلاقات التي تعيش طويلًا ليست تلك التي يلتقي أصحابها كل يوم بل تلك التي يطمئن فيها القلب حتى في الغياب ويثق حتى في الصمت ويصبر حتى تمر الظروف ويعلم أن المحبة الصادقة لا تتغير لأن يومًا كان مزدحمًا أو لأن رسالة تأخرت أو لأن الحياة أثقلت أحد الطرفين

كم من علاقة انتهت لأن كل طرف أراد أن ينتصر لنفسه ولم ينتبه أن الانتصار الحقيقي هو أن يبقى من يحب إلى جواره

ففي الحب لا يوجد منتصر ومهزوم إما أن يربح الاثنان معًا أو يخسر الاثنان معًا

لذلك فإن أجمل القلوب ليست التي لا تغضب بل التي تعرف كيف تهدأ وليست التي لا تجرح بل التي تعتذر وليست التي لا تخطئ بل التي تعود ولا تزال متمسكة بمن تحب

تجاوزوا ما لا يستحق وتغافلوا عما لا يغير حقيقة المشاعر وتمسكوا بمن يمنحكم الأمان قبل الكلام والطمأنينة قبل الوعود فالعلاقات لا يحفظها كثرة اللقاءات ولا جمال الكلمات وإنما يحفظها قلب يعرف أن المحبة لا تكتمل إلا بالتسامح وأن البقاء يحتاج إلى وعي أكثر مما يحتاج إلى عاطفة

ففي نهاية الأمر سيكتشف الجميع أن أجمل انتصار في الحب لم يكن يوم انتصر أحد على الآخر بل كان يوم انتصر الاثنان على خلافهما واختارا أن تبقى المودة بينهم أقوى من الكبرياء وأن يظل القلب بيتًا آمنًا لهم في قلوب بعضهم البعض لمن أحب مهما باعدت بينهما المسافات والبلاد يظل الحب والمودة هي المحرك الأساسي لعلاقة المحبين واستمرارها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى