مقالات الرأي

من كتاب الإسلام السياسي من النص إلى البندقية

ماذا قال القرآن الكريم ؟

 

هل قال القرآن ما نعيشه الآن؟

ليس من العدل، ولا من المنهج العلمي، أن نحمّل النص الديني مسؤولية ما آل إليه الواقع، فالنص بين أيدينا ثابت، محفوظ، معلوم، بينما الذي تغيّر هو الفهم والتوظيف. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: ماذا قال القرآن؟ بل: كيف قُرئ، وكيف استُخدم، ولمصلحة من؟
قدّم القرآن الكريم إطارًا قيميًا عامًا يقوم على العدل، والرحمة، وكرامة الإنسان، والمسؤولية الأخلاقية. ولم يفرض نموذجًا سياسيًا محددًا، ولا شكلًا بعينه للدولة أو نظام الحكم، بل ترك التفاصيل للتجربة الإنسانية، تتحرك فيها بالعقل والاجتهاد، وتصحّح أخطاءها عبر الزمن.
غير أن هذا الاتساع القيمي، الذي كان يفترض أن يكون مصدر قوة، تحوّل في لحظات تاريخية متعددة إلى مجال للتوظيف السياسي. خرج النص من سياق الهداية، ودخل ساحة الصراع على السلطة، فصار يُستدعى لتبرير مواقف بشرية، ويُحمّل ما لم يقله، ويُقدَّم أحيانًا بوصفه غطاءً للصدام لا إطارًا للتعايش.
المشكلة، إذن، لم تكن في الدين ذاته، بل في تحويل الاجتهاد السياسي إلى خطاب ديني مقدس، وفي الخلط بين ما هو وحي ثابت، وما هو فهم بشري متغير. هذا الخلط جعل الخلاف السياسي يبدو وكأنه خلاف عقدي، وأدى إلى انقسامات حادة داخل المجتمع، دفعت ثمنها الدولة والناس معًا.
ومن أخطر نتائج هذا المسار أن الإسلام لم يعد يُؤخذ من مصدره الأصلي، بل من وسائط متعددة، تتحدث باسمه وتحتكره، سواء كانت جماعات منظمة أو خطابات دعوية مسيّسة. بينما الأصل أن يُؤخذ الإسلام من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، بوصفهما النبع الصافي الذي يُقدّم الدين قيمةً أخلاقية قبل أن يكون شعارًا، ومعنى إنسانيًا قبل أن يتحول إلى أداة صراع.
إن إعادة الدين إلى مجاله الطبيعي لا تعني إقصاءه عن الحياة العامة، ولا تعني فصله عن المجتمع، بل تعني حمايته من التسييس، وتحريره من الاستخدام الذي يحوّله من نور يهدي الطريق إلى نار تحرقه.
هذا النقاش لا يستهدف المقدّس، ولا يخاصم الإيمان، بل يسعى إلى تفكيك لحظة تاريخية التبس فيها النص بالسلطة، ففقد المجتمع توازنه، وارتبك الوعي العام.
تجد ذلك في كتاب: الإسلام السياسي من النص إلى البندقية
تأليف: خالد البنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى