حين تعجز قدرتك البشرية تذكّر أن قدرة الله لا حدود لها
بقلم: أيمن بحر
أصعب ما قد يمر به الإنسان ليس أن يتألم بل أن يبذل كل ما يملك من جهد ومحاولة ثم يقف عاجزًا أمام واقع لا يستطيع تغييره أو باب لا يعرف كيف يفتحه أو قلب لم يعد كما كان
قد تحاول أن تنقذ علاقة من الانهيار وأن تعيد الود إلى النفوس وأن تسترد حقًا سُلب منك أو أن تخرج من أزمة استنفدت فيها صبرك وطاقتك ثم تكتشف أن هناك أمورًا لا تملك حسمها مهما حاولت
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية بين قلب يرفض الاستسلام وعقل أنهكه التفكير وروح تحتاج إلى أن تستريح وتستعيد يقينها بالله
تذكّر دائمًا أن قدرتك مهما بلغت تظل محدودة وأنك لست مسؤولًا عن إصلاح كل شيء ولا عن تغيير كل إنسان ولا عن تحقيق كل ما تتمناه في الوقت الذي تريده
فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
هذه الآية ليست وعدًا بأن الحياة ستسير وفق رغباتنا دائمًا لكنها تذكير عظيم بأن ما تعجز عنه أنت لا يعجز عنه الله وأن ضيق رؤيتك للمستقبل لا يعني أن أبواب الخير قد أُغلقت
كم من إنسان ظن أن خسارته نهاية الحكاية ثم اكتشف بعد سنوات أن وراءها بداية مختلفة وكم من قلب تعلق بعودة شخص حتى نسي أن الله قادر على أن يجبره بطرق لم تخطر له على بال وكم من باب ظل الإنسان يطرقه طويلًا حتى أدرك أن نجاته كانت في طريق آخر
لا تجعل سعادتك رهينة شخص تغير ولا تجعل كرامتك معلقة باعتذار قد لا يأتي ولا تظن أن كل ما فقدته يجب أن يعود حتى تستعيد سلامك الداخلي
هناك علاقات تستحق المحاولة وهناك علاقات تحتاج إلى حدود تحفظ كرامتك وهناك حقوق يجب أن تطالب بها بالطرق المشروعة وهناك أزمات تحتاج إلى صبر ومساندة وأخذ بالأسباب
والحكمة أن تعرف متى تحاول ومتى تتوقف عن استنزاف نفسك ومتى تطلب المساعدة ومتى تسلّم الأمر لله بعد أن تؤدي ما عليك
فالتوكل ليس أن تجلس منتظرًا أن تتغير الحياة من حولك بل أن تعمل وتسعى وتفعل ما تستطيع دون أن تحمل نفسك مسؤولية كل نتيجة
ليس مطلوبًا منك أن تعرف ما يخبئه الغد ولا أن تفهم الحكمة من كل ابتلاء ولا أن تكون قويًا طوال الوقت
من حقك أن تحزن وأن تتعب وأن تبكي وأن تعترف بأنك وصلت إلى مرحلة تحتاج فيها إلى الراحة لكن لا تسمح للحظة ضعف أن تقنعك بأن حياتك انتهت أو أن المستقبل لم يعد يحمل لك خيرًا
قد لا يتغير الواقع اليوم وقد لا تحصل على ما دعوت به بالطريقة التي تخيلتها لكنك تستطيع أن تواصل السعي وأن تحمي قلبك من اليأس وأن تترك مساحة للأمل وللاحتمالات التي لم ترها بعد
وحين تضيق بك الأسباب ارفع يديك إلى الله وقل بقلب صادق يا رب لقد بذلت ما أستطيع وأنت أعلم بما في صدري فاختر لي الخير واهدني إليه واجبر خاطري وعوضني بما يرضيك عني
ثق أن الإيمان لا يلغي الألم لكنه يمنحك القوة حتى لا يتحول الألم إلى يأس وأن التسليم لله لا يعني التخلي عن حقوقك بل يعني ألا تجعل ما لا تملكه يسرق منك سلامك وما تستطيع تغييره
افعل ما تستطيع واترك لله ما لا تستطيع ولا تقس نجاحك بقدرتك على التحكم في كل شيء
فأنت عبد تسعى وتدعو وتأخذ بالأسباب أما تدبير الأمور كلها فليس مسؤوليتك وحدك
وفي النهاية تذكّر أن بعض الأبواب لا تُفتح بالقوة وأن بعض الأقدار لا نفهم حكمتها إلا بعد مرور الوقت وأن العجز عن الوصول إلى ما تريد لا يعني أنك لن تصل إلى ما هو خير لك
خفف الحمل عن قلبك واستعن بالله ولا تيأس من رحمته
فما دمت حيًا فهناك فرصة للمحاولة وباب للأمل ومساحة للبدء من جديد
افعل ما عليك بقلب مطمئن وثق بربك الذي لا يعجزه شيء
اللهم اجبر خواطر أنهكها الانتظار وأرح قلوبًا أثقلها التفكير وافتح لنا أبواب الخير حيث كانت واكتب لنا من الأقدار أجملها ومن العوض أطيبه ومن الطمأنينة ما يهوّن علينا مشقة الطريق



