آداب وفنون
أَنَا الْجُمُعَةُ… إِكْسِيرُ أَيَّامِ الْكَوْنِ

أَنَا الْجُمُعَةُ… إِكْسِيرُ أَيَّامِ الْكَوْنِ
كتب سمير ألحيان إبن الحسين
أَنَا الْجُمُعَةُ… إِكْسِيرُ أَيَّامِ الْكَوْنِ، وَنَبْضُ الزَّمَنِ الَّذِي يَتَجَدَّدُ كُلَّ أُسْبُوعٍ؛ أَتي فِي مَوْعِدِي، فَلَا أَتَأَخَّرُ، وَلَا أَتَقَدَّمُ، كَأَنَّ لِلزَّمَنِ مِيعَادًا سَرْمَدِيًّا لَا يَخْلِفُهُ.
أَنَا الْجُمُعَةُ… أَحْمِلُ فِي سَاعَاتِي نَفَسًا مِنَ السَّكِينَةِ، وَفِي أَيَّامِي نَفْحَةً تُذَكِّرُ الْإِنْسَانَ بِأَنَّهُ لَيْسَ آلَةً لِلْعَمَلِ، وَلَا عَدَّادًا يَلْتَهِمُ السَّاعَاتِ، وَلَا كَائِنًا يَجْرِي خَلْفَ رَغِيفِ الْحَيَاةِ حَتَّى يَنْسَى مَنْ هُوَ، وَلِمَاذَا جَاءَ، وَإِلَى أَيْنَ يَمْضِي.
أَنَا نُورٌ يَتَلَأْلَأُ لِمَنِ اقْتَرَبَ مِنْ ضِيَائِي، وَعِطْرٌ فَوَّاحٌ يَنْسَابُ إِلَى أَرْوَاحِ مَنْ أَصْغَوْا لِنَفَحَاتِي، وَمَسَاحَةٌ مِنَ الزَّمَنِ تَتَوَقَّفُ فِيهَا ضَجَّةُ الدُّنْيَا قَلِيلًا، لِيَسْمَعَ الْقَلْبُ صَوْتَهُ مِنْ جَدِيدٍ.
أَنَا سَيِّدَةُ الْأَيَّامِ، وَوَاسِطَةُ الْعِقْدِ فِي مَنْظُومَةِ الزَّمَنِ؛ أَجْلِسُ فِي آخِرِ أُسْبُوعٍ يَكْتَظُّ بِالْعَمَلِ وَالسَّعْيِ، لَا لِأَقُولَ لَكُمْ: «انْتَهَى الطَّرِيقُ»، بَلْ لِأَقُولَ: «تَوَقَّفُوا قَلِيلًا… لِتَعْرِفُوا أَيْنَ وَقَفْتُمْ، وَإِلَى أَيْنَ تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا.»
أَنَا الْمَحَطَّةُ الَّتِي تَسْتَرِيحُ عَلَى رَصِيفِهَا أَنْفَاسُكُمْ الْمُتْعَبَةُ، وَتُرَاجِعُونَ فِيهَا خُطَاكُمْ، وَتَنْظُرُونَ فِي مِرْآةِ أُسْبُوعِكُمْ: مَاذَا أَنْجَزْتُمْ؟ وَمَاذَا أَخْفَقْتُمْ فِيهِ؟ وَمَنْ أَسْعَدْتُمْ؟ وَمَنْ آذَيْتُمْ؟ وَأَيُّ جُرْحٍ تَرَكْتُمْوهُ خَلْفَكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْبُرُونَ مُسْرِعِينَ؟
فَلَا تَجْعَلُونِي مُجَرَّدَ فَاصِلٍ زَمَنِيٍّ بَيْنَ أُسْبُوعٍ انْقَضَى وَآخَرَ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ؛ فَأَنَا أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ.
أَنَا فُرْصَةٌ لِتُرَمِّمُوا مَا تَصَدَّعَ فِي دَوَاخِلِكُمْ، وَتَغْسِلُوا غُبَارَ الْأَيَّامِ عَنْ قُلُوبِكُمْ، وَتَسْتَرِدُّوا مِنْ أَعْمَاقِكُمْ مَا ابْتَلَعَتْهُ سُرْعَةُ الْحَيَاةِ مِنْ صَبْرٍ وَرَحْمَةٍ وَتَأَمُّلٍ.
أَنَا لَسْتُ يَوْمًا عَادِيًّا مِنْ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ؛ فَقَدْ خَصَّنِيَ اللَّهُ بِفَضْلٍ عَظِيمٍ، وَجَعَلَ لِي فِي دِينِكُمْ مَكَانَةً لَا تُشْبِهُ مَكَانَ سَائِرِ الْأَيَّامِ.
أَنَا الْيَوْمُ الَّذِي اجْتَمَعَتْ فِيهِ مِنْ أَخْبَارِ أَبِي الْبَشَرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَحْدَاثٌ عِظَامٌ؛ فَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ خُلِقَ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ؛ كَأَنَّ لِي فِي قِصَّةِ الْإِنْسَانِ مَوْعِدًا قَدِيمًا، يَصِلُ أَوَّلَ الْحِكَايَةِ بِآخِرِهَا، وَيَرْبِطُ بَدَايَةَ الْمَسِيرِ بِمُنْتَهَاهُ.
فَمَا أَعْجَبَ الزَّمَنَ حِينَ يَجْعَلُ مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ شَاهِدًا عَلَى بَدَايَةِ الْقِصَّةِ وَمَوْعِدًا مِنْ مَوَاعِيدِ نِهَايَتِهَا!
أَنَا الْجُمُعَةُ… وَفِيَّ اجْتِمَاعٌ لَا يُشْبِهُ سَائِرَ الِاجْتِمَاعَاتِ؛ فَفِي صَلَاتِي يَتَجَمَّعُ النَّاسُ عَلَى اخْتِلَافِ أَلْوَانِهِمْ وَأَعْمَارِهِمْ وَمَكَانَاتِهِمْ، فَيَقِفُ الْغَنِيُّ إِلَى جَانِبِ الْفَقِيرِ، وَصَاحِبُ الْجَاهِ إِلَى جَانِبِ مَنْ لَا جَاهَ لَهُ، وَيَخْرُجُ الْجَمِيعُ مِنْ مَقَامِ الدُّنْيَا لِيَدْخُلُوا مَقَامَ الْعُبُودِيَّةِ.
هُنَا لَا تَتَكَلَّمُ الْأَلْقَابُ، وَلَا تَتَقَدَّمُ الثَّرْوَةُ، وَلَا تَشْفَعُ الْمَنَاصِبُ؛ فَالْجَمِيعُ عَبْدٌ لِرَبٍّ وَاحِدٍ، وَالْجَمِيعُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ.
أَنَا الْجُمُعَةُ… أَتي لِأُذَكِّرَكُمْ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ، مَهْمَا عَلَا، فَهُوَ ضَعِيفٌ بِدُونِ رَبِّهِ، وَأَنَّ الْقَلْبَ، مَهْمَا امْتَلَكَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، قَدْ يَبْقَى جَائِعًا إِذَا فَقَدَ مَعْنَى الطُّمَأْنِينَةِ.
أَنَا الْجُمُعَةُ… فَلَا تَجْعَلُونِي يَوْمًا لِتَعْطِيلِ الْجَسَدِ فَقَطْ، بَلِ اجْعَلُونِي يَوْمًا لِإِيقَاظِ الرُّوحِ.
أَغْلِقُوا بَعْضَ أَبْوَابِ الضَّجِيجِ، وَافْتَحُوا نَافِذَةً لِلْقُرْآنِ، وَاتْرُكُوا لِلصَّمْتِ مَسَاحَةً، وَلِلذِّكْرِ مَكَانًا، وَلِلرَّحْمَةِ طَرِيقًا.
وَإِذَا كَانَ أُسْبُوعُكُمْ قَدْ أَتْعَبَكُمْ، فَلَا تَحْمِلُوا تَعَبَهُ مَعَكُمْ إِلَى سَاعَاتِي؛ ضَعُوا عَنِ الْقَلْبِ بَعْضَ مَا أَثْقَلَهُ، وَتَعَلَّمُوا أَنْ تَقُولُوا لِأَنْفُسِكُمْ: سَيَمْضِي هَذَا أَيْضًا، وَسَيَبْقَى مَا كَانَ لِلَّهِ.
أَنَا الْجُمُعَةُ… أَحْمِلُ إِلَيْكُمْ فُرْصَةً أُخْرَى لِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَمُصَالَحَةِ الْخَاصِمِينَ، وَمَسْحِ دَمْعَةٍ، وَإِطْعَامِ جَائِعٍ، وَمُوَاسَاةِ مَكْسُورٍ، وَالسُّؤَالِ عَنْ وَجْهٍ غَابَ طَوِيلًا عَنْ مَجَالِسِكُمْ.
فَلَا تَسْأَلُوا عَنْ فَضْلِ يَوْمِي وَأَنْتُمْ تَحْرِمُونَ أَحَدًا مِنْ فَضْلِ أَخْلَاقِكُمْ.
فَمَا قِيمَةُ دُعَاءٍ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ وَالْقَلْبُ مُثْقَلٌ بِالْكِبْرِ وَالْحِقْدِ؟
وَمَا قِيمَةُ كَثْرَةِ الْكَلَامِ عَنِ الرَّحْمَةِ إِذَا لَمْ تَجِدِ الرَّحْمَةُ طَرِيقَهَا إِلَى مَنْ يَعِيشُونَ حَوْلَكُمْ؟
أَنَا الْجُمُعَةُ… فَخُذُوا مِنِّي مَا يُصْلِحُكُمْ، وَلَا تَجْعَلُونِي مُجَرَّدَ عَادَةٍ تَتَكَرَّرُ، ثُمَّ يَنْقَضِي يَوْمِي وَيَنْقَضِي مَعِي مَا وَعَدْتُمْ بِهِ أَنْفُسَكُمْ.
أَنَا مَوْعِدٌ مُتَجَدِّدٌ مَعَ اللَّهِ، وَفُرْصَةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ جَدِيدٍ.
وَلَقَدْ هَدَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَكَانَ لَهَا فِيهِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا، وَكَانَ لِهَذَا الْيَوْمِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مَوْقِعٌ خَاصٌّ، لَا لِأَنَّ الْأَيَّامَ تَتَفَاخَرُ، بَلْ لِأَنَّ اللَّهَ شَرَّفَ بَعْضَ أَوْقَاتِهِ بِفَضْلٍ وَبَرَكَةٍ.
فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَيْكُمْ، فَلَا تَسْتَقْبِلُونِي بِأَجْسَادِكُمْ وَتَتْرُكُوا قُلُوبَكُمْ فِي أَسْوَاقِ الدُّنْيَا.
أَنَا الْجُمُعَةُ… فَاسْتَقْبِلُونِي بِقَلْبٍ يَعْرِفُ مَنْ خَلَقَهُ، وَبِنَفْسٍ تُرِيدُ أَنْ تَتَطَهَّرَ مِنْ غُبَارِ الْأُسْبُوعِ، وَبِرُوحٍ تَشْتَاقُ إِلَى السَّكِينَةِ.
خُذُوا مِنْ عَبِيرِي زُهُورًا، وَاغْزِلُوا مِنْ سَاعَاتِي سَلَامًا، وَاجْعَلُوا مِنْ ذِكْرِي جِسْرًا يَعْبُرُ بِكُمْ مِنْ ضَجِيجِ الدُّنْيَا إِلَى هُدُوءِ الْقَلْبِ.
وَأَكْثِرُوا فِيَّ مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ الْكَرِيمِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ لَا تَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى كَثْرَةِ الْكَلَامِ، بَلْ تَحْتَاجُ أَحْيَانًا إِلَى نَفَسٍ صَادِقٍ يُعِيدُ إِلَيْهَا مَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ.
وَإِذَا أَوْشَكَ يَوْمِي عَلَى الرَّحِيلِ، فَلَا تَدَعُونِي أَرْحَلُ عَنْكُمْ كَمَا جِئْتُكُمْ؛ دَعُونِي أَحْمِلْ مَعِي شَيْئًا مِنْ خَطَايَاكُمْ، وَاتْرُكُوا فِي قُلُوبِكُمْ شَيْئًا مِنْ نُورِي.
فَإِذَا جَاءَتِ الْجُمُعَةُ الْمُقْبِلَةُ، تكُونُوا قَدْ تَقَدَّمْتُمْ خُطْوَةً وَاحِدَةً فِي طَرِيقِكُمْ إِلَى اللَّهِ، وَفِي طَرِيقِكُمْ إِلَى أَنْفُسِكُمْ، وَفِي طَرِيقِكُمْ إِلَى النَّاسِ.
أَنَا الْجُمُعَةُ…
لَسْتُ نِهَايَةَ أُسْبُوعٍ فَقَطْ، وَلَا فَاصِلًا بَيْنَ أَيَّامٍ تَتَعَاقَبُ، وَلَا عُطْلَةً تَسْتَرِيحُونَ فِيهَا مِنْ عَنَاءِ الْعَمَلِ.
أَنَا نَافِذَةٌ تُفْتَحُ فِي جِدَارِ الزَّمَنِ، لِيَرَى الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَيَرَى رَبَّهُ فِي قَلْبِهِ، وَيَرَى الطَّرِيقَ الَّذِي يَمْضِي فِيهِ.
أَنَا الْجُمُعَةُ…
أَتي كُلَّ أُسْبُوعٍ لِأَقُولَ لَكُمْ: لَا تَسْتَسْلِمُوا لِغُبَارِ الْأَيَّامِ؛ فَفِي الْحَيَاةِ دَائِمًا فُسْحَةٌ لِلتَّوْبَةِ، وَمَسَاحَةٌ لِلْإِصْلَاحِ، وَفُرْصَةٌ لِلْبِدَايَةِ مِنْ جَدِيدٍ.
أَنَا الْجُمُعَةُ…
فَإِذَا أتيتُكُمْ، فَلَا تَسْأَلُوا كَمْ بَقِيَ مِنْ سَاعَاتِي؛ بَلْ اسْأَلُوا: كَمْ بَقِيَ فِي قُلُوبِنَا مِنْ نُورٍ؟
فَأَنَا لَسْتُ مِقْدَارًا مِنَ الزَّمَنِ فَقَطْ…
أَنَا ذِكْرَى الْبِدَايَةِ، وَوَعْدُ النِّهَايَةِ، وَفُسْحَةُ الْقَلْبِ، وَمَوْعِدُ الرُّوحِ.
أَنَا الْجُمُعَةُ…
فَافْتَحُوا لِي قُلُوبَكُمْ، أُفْتَحْ لَكُمْ أَبْوَابَ السَّكِينَةِ.



