أخبار مصرية
اللواء سمير فرج: في ذكرى وفاه المشير طنطاوي

اللواء سمير فرج: في ذكرى وفاه المشير طنطاوي
متابعه احــــمد القـــــــطعاني
أكد اللواء الدكتور سمير فرج الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي والعسكري ومدير الشوان المعنوية سابقآ
تحل هذه الأيام ذكرى وفاة أحد أهم وأعظم رجال الجيش المصري، وهو المشير محمد حسين طنطاوي، الذي توفي يوم 21 سبتمبر 2021، فقد كان لي القائد والمعلم والأخ.
كان المشير، الذي ولد عام 1935 في حي عابدين، قد التحق بالكلية الحربية وتخرج منها عام 1956، ليخوض خمس حروب، ويكون من الضباط المصريين الذين شاركوا في هذه الحروب الخمس؛ حرب 1956، وحرب 1967، وحرب الاستنزاف، وحرب أكتوبر 1973، ليكون بطل معركة “المزرعة الصينية”، إحدى أهم معارك حرب أكتوبر 1973، ثم حرب الخليج عام 1991، بصفته رئيس هيئة العمليات التي خططت لدور القوات المصرية في هذه الحرب.
كان أول لقاء لي مع سيادة المشير طنطاوي، رحمه الله، وأنا طالب في الكلية الحربية، حيث كان العقيد طنطاوي يدرس لنا مادة التكتيك. بعدها انتقل حسين طنطاوي من الكلية الحربية المصرية، ومعه مجموعة من الضباط المصريين، إلى الجزائر لإنشاء وتطوير الكلية الحربية الجزائرية في شرشال، وكانت فترة ثرية تخرج على يديه خلالها مجموعة كبيرة من ضباط الجيش الجزائري.
وعاد إلى القاهرة، وبعد حصوله على كلية أركان حرب، تولى قيادة الكتيبة 16 مشاة خلال فترة حرب الاستنزاف، حتى جاء يوم السادس من أكتوبر 1973، ليعبر مع كتيبته قناة السويس في منطقة الدفرسوار، ويقتحم خط بارليف ضمن قوات اللواء 16 من الفرقة 16 مشاة. وعند وصول الكتيبة 16 إلى رأس الكوبري، قام العدو الإسرائيلي بهجمات مضادة، نجحت الكتيبة في صدها جميعًا.
بعدها بدأت إحدى أهم المعارك شرق القناة في حرب 1973، وهي معركة “المزرعة الصينية”، عندما استنفد العدو الإسرائيلي محاولاته للقيام بالهجمات والضربات ضد رؤوس الكباري، فبدأ في تنفيذ “خطة الغزالة”، التي أعدها الجنرال شارون لإحداث اختراق تنفذ منه القوات الإسرائيلية إلى القناة، بما يمكنها من إنشاء كوبري تعبر من خلاله إلى غرب قناة السويس.
وقع اختيار القيادة الإسرائيلية على موقع “المزرعة الصينية”، ضد موقع الكتيبة 16 مشاة بقيادة المقدم حسين طنطاوي. وفي ليلة 16 أكتوبر، قام العدو الإسرائيلي بالدفع بقوة لواء مظلي ولواء مدرع من مجموعة الجنرال ماجن لمهاجمة دفاعات الكتيبة 16 مشاة، وتم تدمير القوات الإسرائيلية، ونجحت معركة “المزرعة الصينية” في صد هجوم القوات الإسرائيلية، لتصبح واحدة من أهم معارك حرب أكتوبر 1973. وفشلت “خطة الغزالة” التي خطط لها شارون، مما اضطره إلى تعديلها ومحاولة العبور من منطقة البحيرات.
وتدرج، بعدها، المشير طنطاوي في الوظائف القيادية بسلاح المشاة، حتى تولى قيادة الجيش الثاني. واستمر المشير طنطاوي في مسيرته حتى اندلاع أحداث 25 يناير 2011، ليجد نفسه على رأس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، مكلفًا بإدارة شؤون البلاد، وهي الفترة التي اعتبرها من أهم فترات تاريخه العسكري والسياسي.
فأصدر أوامره، منذ اليوم الأول، بعدم إطلاق النيران مهما حدث، وظل قراره ساريًا حتى تسليم السلطة بعد انتخابات عام 2012. وكان يرى أن طلقة واحدة من شأنها إغراق مصر في بحر من الدماء، لتصبح بعدها مثل سوريا والعراق. وكان يرى أن جماعة الإخوان تستهدف إحداث الفتنة بين الشعب وقواته المسلحة.
وقد تكون شهادتي في حق المشير طنطاوي مجروحة، بحكم العلاقة التي تطورت إلى صداقة على مدار ما يزيد على 30 عامًا. ولكني سأستشهد هنا بوزير الدفاع الأمريكي الأسبق ليون بانيتا، الذي تولى عددًا من أرفع المناصب في الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيسين بيل كلينتون وباراك أوباما، حتى عام 2013، بدءًا من رئيس ديوان البيت الأبيض، ثم رئيسًا لوكالة الاستخبارات الأمريكية “CIA”.
فمنذ ثلاثة أعوام، كان ليون بانيتا في زيارة إلى القاهرة، وفي أحد مطاعم مصر الجديدة، وأثناء العشاء، بدأ يتحدث عن ذكرياته عن مصر العظيمة، وعن المحادثات الهاتفية بينه، كوزير للدفاع الأمريكي، وبين المشير طنطاوي، بصفته رئيسًا للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي كان يدير البلاد في هذه الفترة الحرجة.
وشهد بانيتا بأن فترة حكم المجلس العسكري كانت السبب الرئيسي في الحفاظ على أمن واستقلال ووحدة مصر، ولولاها لتدهورت الأمور مثلما حدث في سوريا والعراق. وأضاف بانيتا أنه يكن كل الاحترام والتقدير للمشير طنطاوي، باعتباره رجلًا عظيمًا أدار دفة البلاد بحكمة وكياسة طوال عشرين شهرًا، مؤكدًا أن التاريخ المصري سيفرد، يومًا، فصولًا كاملة عن تلك الفترة.
كان المشير طنطاوي يعشق كرة القدم منذ طفولته في حي عابدين، وقد ظل يمارسها حتى وهو وزير للدفاع. فكان يغادر الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء، كل يوم أربعاء، إلى الصالة المغطاة بالاتحاد الرياضي، حيث تكون مجموعة منا في انتظاره، لنلعب مباراة تستمر أكثر من ثلاث ساعات.
وفي عهده، دعم جهاز الرياضة بالقوات المسلحة، وأنشأ المدارس الثانوية الرياضية، خاصة في صعيد مصر، لاكتشاف المواهب الرياضية في سن مبكرة. وفي يوم من الأيام، استأذن السيد الرئيس في بناء استاد رياضي ليكون الأضخم في أفريقيا، وبما يليق باسم مصر، وهو استاد برج العرب حاليًا.
تميز المشير طنطاوي، رحمه الله، بالبساطة الشديدة في حياته الشخصية، التي كانت تشبه حياة عموم المصريين. وكانت والدته، رحمها الله، بالنسبة له الدنيا وما فيها، إذ توفي والده وهو في سن صغيرة، وتولت والدته جميع شؤونه، فتعلم منها الكثير والكثير.
وهكذا تكون حياة الأمم؛ يولد فيها رجال يصنعون الأقدار لقيادة بلادهم في ظروف حالكة، حتى يعبروا بها إلى بر الأمان، وكان منهم هذا الرجل، المشير محمد حسين طنطاوي.




