الطاولة التي لم تغادر أحد

بقلم/ داليا أحمد بكري
كان الصباح يمر بخفة كأن المدينة تتنفس على مهل وكانت طاولة صغيرة في ركن المقهى تبدو وكأنها تنتظر اسما لا يعرفه أحد الهواء الربيعي يدخل من نافذة نصف مفتوحة يحمل رائحة زهر خفيف يلامس المقاعد الفارغة ويترك فوق الخشب أثرا لا يرى
جلست كأنني أعود إلى مكان لم أزره من قبل وكأن الهدوء كان يعرفني أكثر مما أعرفه وضعت يدي فوق الطاولة فشعرت بأنها دافئة كأن أحدا سبقني بدقائق فقط اقترب النادل صامتا مبتسما وضع فنجان القهوة ثم انسحب دون أن يسأل شيئا وكأن بيننا اتفاقا قديما لم أتذكره
كانت قنينة صغيرة تتوسطها وردة حمراء تميل قليلا كأنها تحاول أن تسمع همسا خفيا في المكان رائحة عطر غير مألوفة ملأت الجو ولم أعرف إن كانت تخص شخصا غادر أم شخصا لم يصل بعد
بدأت أكتب على الورق بلا معنى حروف تتساقط مثل أوراق شجر في نهاية موسم طويل كل كلمة كانت تشبه خطوة في ممر لا أعرف نهايته الضجيج الذي كان يسكن رأسي اختفى فجأة وكأن أحدا أطفأه من الداخل شعرت بأن الفراغ يتمدد في صدري لكنه لم يكن مخيفا بل أشبه بباب يفتح ببطء
نظرت حولي فبدا المقهى أكثر اتساعا من حجمه المعتاد المقاعد الخالية بدت وكأنها تحمل حكايات لم ترو بعد والنافورة في الخارج كانت تتراقص أضواؤها فوق سطح الماء كأنها تكتب إشارات لا يفهمها سوى من ينتظر
مرت لحظة شعرت فيها أن الطاولة تتحرك قليلا أو ربما أنا التي تغير مكاني دون أن أنتبه وضعت يدي على الوردة فاهتزت برفق كأنها ترد على سؤال لم أطرحه في تلك اللحظة أدركت أن الهدوء ليس غياب الضجيج بل حضورا آخر لا يسمع
عندما رفعت رأسي وجدت الكرسي المقابل مشغولا بظل لم يتضح شكله لم يتكلم ولم يتحرك فقط ترك أمامي ورقة بيضاء أخرى ثم اختفى كأن الهواء ابتلعه
نظرت إلى الورقة فوجدت عليها سطرا واحدا مكتوبا بخط لا يشبه خطي
الطاولة لا تحتفظ بمن يجلس عليها بل بمن يعود إليها
ابتسمت دون أن أعرف لماذا حاولت أن أتذكر إن كنت قد جئت إلى هذا المكان من قبل لكن الذاكرة كانت صامتة تماما شربت آخر رشفة من القهوة ونهضت ببطء وعندما خطوت نحو الباب شعرت أن أحدا جلس مكاني
التفت
لم أجد أحدا
سوى الوردة الحمراء وقد استقامت تماما كأنها بدأت للتو حكاية جديدة
خرجت من المقهى وأنا لا أعرف
هل كنت أنا الزائرة
أم أن الطاولة هي التي جاءت تبحث عني
أم أنني سأعود إليها دون أن أتذكر أنني لم أغادرها أصلا




