
بقلم كاتب الصعيد / حسين أبوالمجد
لم تختفِ المخطوطة وحدها.
اختفى معها شيءٌ آخر…
شيء لم أستطع تسميته في البداية.
كان إحساسًا يشبه أن تفقد ظلّك دون أن تلاحظ،
ثم تدرك لاحقًا أن الشمس ما زالت في مكانها…
لكن الظل لم يعد هناك.
في الليلة التي تلت اختفاءها،
استيقظتُ عند الثالثة وثلاث عشرة دقيقة تحديدًا.
لا أعرف لماذا أتذكر الرقم.
لكنه كان واضحًا… أكثر من اللازم.
الهواء في الغرفة لم يكن باردًا،
لكنه لم يكن طبيعيًا.
كان ساكنًا بطريقة مقلقة،
كأن الزمن نفسه توقف ليلتقط أنفاسه.
وحين حاولت أن أعود للنوم…
سمعته.
لم يكن صوتًا.
بل ما يشبه الذبذبة.
طنينًا خافتًا… يأتي من تحت الأرض.
في البداية ظننته وهمًا.
لكن الطنين لم يكن عشوائيًا.
كان منتظمًا…
كأنه نبض.
في الصباح، عدت إلى الدرج.
فتحته ببطء.
الأوراق الصفراء كانت كما هي.
الفراغ نفسه في المكان الذي وُجدت فيه المخطوطة.
لكن هناك شيء لم يكن موجودًا من قبل.
خطٌ خافت… محفور داخل خشب الدرج من الداخل.
لم يكن حبرًا.
بل أثر ضغط.
كأن أحدهم كتب… من الجهة الأخرى.
اقتربتُ أكثر.
كانت الكلمات معكوسة.
احتجتُ مرآة لأقرأها.
“لم تُفقد.
بل أُعيدت.”
منذ تلك اللحظة، بدأت ألاحظ الأشياء.
أماكن كنت أمر بها يوميًا…
أصبحت مختلفة.
عند زاوية شارع قديم في القاهرة،
شعرتُ بذلك الإدراك نفسه الذي تحدّثت عنه المخطوطة.
ليس خوفًا…
بل إحساس بأن المكان يعرفك.
وفي ليلة أخرى،
عند ضفاف النيل،
حين كان القمر مكتملًا،
رأيت انعكاسًا على الماء…
لكن لم يكن انعكاس القمر.
كان شكلًا هندسيًا.
دوائر متداخلة.
نقطة في المنتصف.
اختفى بمجرد أن رمشت.
بدأت أبحث.
ليس في الكتب هذه المرة،
بل في الخرائط القديمة.
خرائط لا تُظهر الحدود السياسية…
بل تُظهر شيئًا آخر.
نقاط.
نقاط موزعة بعناية عبر الأرض.
ليست عشوائية.
ليست متساوية.
لكنها… متصلة.
وعندما وضعت خريطة مصر أمامي،
وربطت بعض المواقع الأثرية بخطوط مستقيمة،
ظهر الشكل ذاته الذي رأيته على سطح الماء.
نقطة في المنتصف.
القاهرة؟
لا.
أعمق من ذلك.
عدتُ إلى الصعيد.
إلى الأرض التي بدأت منها الحكاية.
هناك، حيث الرمال تحفظ أكثر مما تكشف،
وحيث الحجر يتذكر.
وقفتُ أمام أطلالٍ قديمة لا يزورها السياح. عند معبد ابيدوس وفي جبل الطارف هناك اماكن
ليست مشهورة.
ليست مذكورة في كتيبات الإرشاد. اعرفها
لكنني شعرت بذلك النبض مرة أخرى.
تحت قدمي مباشرة.
ركعتُ، وضعتُ كفّي على الأرض.
وفي تلك اللحظة…
سمعت الجملة بوضوح داخل رأسي:
“النقاط لا تُكتشف…
بل تُفعَّل.”
فتحتُ عينيّ بسرعة.
لم يكن أحد حولي.
لكن الرمال أمامي لم تكن كما كانت.
كانت هناك دائرة صغيرة…
كأن الرياح كشفتها للتو.
وفي مركزها…
حجر أسود أملس،
عليه نفس الرمز.
دوائر.
نقطة.
لم ألمسه.
لا أعلم لماذا.
لكنني تذكرت السطر الأخير من المخطوطة:
“ليس كل باب يمكن فتحه…”
وفهمت شيئًا لم أكن مستعدًا لفهمه.
المخطوطة لم تكن تحذيرًا من القراءة.
كانت تحذيرًا من الفهم.
وفي تلك اللحظة،
رنّ هاتفي.
رقم غير معروف.
ترددتُ… ثم أجبت.
لم يتحدث أحد.
لكنني سمعت نفس الذبذبة.
نفس النبض.
ثم صوتًا خافتًا… بالكاد مسموع:
“لقد بدأت.”
وانقطع الاتصال.
الليلة،
الساعة تقترب من الثالثة وثلاث عشرة دقيقة مرة أخرى.
والأرض…
ليست ساكنة.
أشعر به بوضوح الآن.
ليس تحت قدمي فقط.
بل في أماكن أخرى.
كأن نقاطًا بعيدة…
تستيقظ.
وللمرة الأولى،
أفهم لماذا اختفت المخطوطة.
لأنها لم تكن نسخةً وحيدة.
كانت إشارة.
ومن قرأها…
أصبح جزءًا منها.
وإذا كنتَ تقرأ هذا الآن…
فربما لم تتأخر.
ربما…
تم اختيارك.



