هل للتخدير تأثير على حراره الجسم

بقلم د.فرج عبد البارى
سؤالٌ يخطر في الأذهان بشكل متكرر: هل للتخدير دور في الشعور بالبرد أو حدوث الرجفة بعد العملية؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أن نتعرف أولًا إلى آلية تنظيم حرارة الجسم، وكيف يؤثر التخدير على هذه الآلية، ولماذا يشعر بعض المرضى بالبرد بعد الاستيقاظ من التخدير.
لنتعرف أولًا إلى المكان المسؤول عن تنظيم درجة حرارة الجسم، وهو الـ Hypothalamus، الذي يُعد مركز تنظيم الحرارة في الدماغ، والمسؤول عن الاستجابة لأي تغير في درجة حرارة الجسم، سواء بالارتفاع أو الانخفاض.
تبدأ عملية تنظيم الحرارة عندما تستشعر Thermoreceptors أي تغير في درجة الحرارة، ثم تنقل هذه الإشارات إلى Hypothalamus، الذي يحللها ويرسل أوامره إلى أعضاء الاستجابة (Effector organs) للحفاظ على درجة حرارة الجسم ضمن المعدل الطبيعي.
ويمكن تلخيص هذه الآلية بالمسار التالي:
Thermoreceptors → Hypothalamus → Effector organs
أما أعضاء الاستجابة التي ينظمها الـ Hypothalamus فهي:
– Sweat glands → إفراز العرق للمساعدة على خفض حرارة الجسم
– Blood vessels →
– توسع الأوعية(Vasodilation) : عند ارتفاع الحرارة
– تضيق الأوعية ( Vasoconstriction) عند انخفاضها.
– Skeletal muscles →
– حدوث رجفة (Shivering) لإنتاج الحرارة عند انخفاض درجة حرارة الجسم.
وبذلك يحافظ الجسم على توازن حرارته في الظروف الطبيعية.
توجد أنواع عديدة من التخدير، ومن أشهرها General Anesthesia (GA) وRegional Anesthesia (RA). ولنبدأ بتأثير GA.
يعمل General Anesthesia على تثبيط استجابة Hypothalamus، وبالتالي تضعف آليات الدفاع الطبيعية المسؤولة عن تنظيم حرارة الجسم.
وفي الوقت نفسه، يكون لأدوية التخدير تأثير آخر، إذ إن معظمها يسبب Peripheral Vasodilation، مما يؤدي إلى انتقال الحرارة من مركز الجسم (Core) إلى الأطراف (Peripheral)، فيحدث انخفاض سريع في درجة حرارة الجسم، خاصة خلال الساعة الأولى من التخدير.
كما أن Muscle Relaxants (MR) تمنع حدوث Shivering (الرجفة)، وبالتالي لا يستطيع الجسم تعويض هذا النقص في الحرارة.
أما في Regional Anesthesia (RA)، فيكون تأثيره على تنظيم حرارة الجسم أقل من General Anesthesia (GA)، لأنه لا يؤثر بشكل مباشر على Hypothalamus.
وإنما يكون السبب الأساسي أن الإشارات الحرارية القادمة من Thermoreceptors في المنطقة المخدرة لا تصل إلى Hypothalamus بالصورة الطبيعية بسبب تخدير الأعصاب.
كما يحدث أيضًا Peripheral Vasodilation نتيجة Sympathetic Block، مما يساهم في انتقال الحرارة من Core إلى Peripheral وانخفاض درجة حرارة الجسم.
وإذا حدثت Shivering (الرجفة) لتعويض هذا النقص، فإنها تقتصر غالبًا على الجزء غير المخدر من الجسم.
ماذا يحدث بعد انتهاء التخدير؟
بعد انتهاء تأثير التخدير أو مع بدء مرحلة التعافي، يبدأ Hypothalamus باستعادة استجابته تدريجيًا لانخفاض درجة حرارة الجسم. وعندما يكتشف أن حرارة الجسم أصبحت أقل من الطبيعي، يُفعّل آليات الدفاع الطبيعية مرة أخرى، مثل Vasoconstriction وShivering، في محاولة لإنتاج الحرارة وتقليل فقدانها وإعادة درجة حرارة الجسم إلى مستواها الطبيعي.
في النهاية، يُعد الشعور بالبرد أو الرجفة بعد التخدير استجابة فسيولوجية متوقعة تنتج عن تداخل عدة عوامل، أهمها تأثير التخدير على آلية تنظيم الحرارة، إلى جانب فقدان الحرارة داخل غرفة العمليات. ومع زوال تأثير التخدير، يستعيد الـ Hypothalamus قدرته تدريجيًا على تنظيم حرارة الجسم، فتظهر الرجفة كإحدى وسائل الجسم لإنتاج الحرارة وإعادة التوازن الحراري.
لذلك، فإن الرجفة بعد التخدير ليست في معظم الحالات عرضًا خطيرًا، بل هي استجابة فسيولوجية طبيعية تدل على أن الجسم بدأ يستعيد آليات تنظيم حرارته والعودة إلى درجة حرارته الطبيعية.




