مقالات الرأي

وهم القوة حين تكسر الجغرافيا غرور الإمبراطوريات

وهم القوة حين تكسر الجغرافيا غرور الإمبراطوريات

تقرير/ أيمن بحر

في لحظات الصراع الكبرى لا تحسم المعارك بالقوة المجردة وحدها بل بقدرة الدول على تحويل الجغرافيا إلى درع والعلم إلى سلاح والإرادة إلى مشروع بقاء ومن هذه الزاوية يفرض المشهد الإيراني نفسه باعتباره نموذجاً يثير جدلاً واسعاً حول معنى القوة الحقيقية وحدود الهيمنة الأمريكية في عالم يتغير
الحديث عن الضربات الأمريكية لمنشآت إيران النووية أعاد طرح سؤال قديم جديد هل تستطيع التكنولوجيا العسكرية مهما بلغت أن تهزم الجغرافيا المحصنة والعقيدة الصلبة أم أن القوة حين تصطدم بحسابات الأرض تفقد كثيراً من سطوتها
ما كشفته التطورات أن مفهوم الردع لم يعد حكراً على القوى الكبرى فالدولة التي عاشت عقوداً تحت العقوبات والضغوط بنت في المقابل بنية صلبة اعتمدت على تطوير المعرفة والهندسة العسكرية واستثمار طويل في الاكتفاء الذاتي وهو ما جعل المواجهة تتجاوز منطق الضربة والرد إلى معركة إرادات مفتوحة
المعادلة هنا لم تكن مجرد صواريخ في مواجهة صواريخ بل مشروع استقلال في مواجهة مشروع هيمنة وبينما راهنت واشنطن على تفوق السلاح راهنت طهران على تحصين الجغرافيا وبناء القدرة الوطنية لتؤكد أن الصراع لا يحسمه حجم الترسانة فقط بل من يملك النفس الأطول
ويرى مراقبون أن واحدة من أخطر نتائج هذا المشهد هي اهتزاز صورة القوة الأمريكية المطلقة فحين تتحول الضربة إلى اختبار غير حاسم تبدأ هيبة الردع في التآكل وتدخل حسابات السياسة الدولية مرحلة جديدة تقوم على إعادة قراءة النفوذ الأمريكي لا بوصفه قدراً لا يرد بل قوة قابلة للاختبار
وفي قلب هذا الجدل تبرز أسئلة حادة بشأن المنطقة العربية وخاصة الخليج الذي ظل لعقود يعتمد على المظلة الأمريكية باعتبارها ضمانة الأمن الأولى لكن التحولات الأخيرة فتحت باباً واسعاً للنقاش حول كلفة التبعية السياسية والعسكرية وحول ما إذا كان الأمن المستورد يمكن أن يبقى بديلاً عن بناء القوة الذاتية
الفرق بين من يبني سيادته على المعرفة ومن يربط أمنه بتحالفات الخارج أصبح أكثر وضوحاً من أي وقت مضى فالدول التي تراهن على عقولها تمتلك هامش قرارها أما التي ترهن مصيرها للحماية الخارجية تظل رهينة موازين قد تنقلب في أي لحظة
الرسالة التي يفرضها هذا المشهد لا تتعلق بإيران وحدها ولا بأمريكا وحدها بل بمعنى الدولة الحديثة نفسها فالقوة لم تعد فقط في حاملات الطائرات ولا في القاذفات العملاقة بل في المعامل ومراكز البحث وفي قدرة الأمم على تحويل الجغرافيا إلى عنصر قوة لا عبء
التاريخ يقول إن الإمبراطوريات تسقط حين تصدق أسطورة تفوقها المطلق والجغرافيا تثبت دائماً أنها ليست مجرد تضاريس بل لاعب صامت يعيد تشكيل موازين الحرب والسياسة
وفي عالم تتراجع فيه المسلمات القديمة ربما تكون الحقيقة الأوضح أن السيادة لا تشترى والردع لا يستعار وأن البطولة الحقيقية لا تصنعها الضوضاء السياسية بل تصنعها العقول التي تعرف كيف تحول الحصار إلى قوة والتحديات إلى مشروع بقاء

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى