مقالات الرأي

بين الطفولة والمسؤولية الجنائية

بين الطفولة والمسؤولية الجنائية… متى يصبح الإنسان مسؤولًا عن جريمته؟

 

أثارت بعض الجرائم الأخيرة حالة من الغضب الشعبي العارم، خصوصًا عندما يكون المتهم في عمرٍ تصفه القوانين بأنه “حدث” أو “قاصر”، بينما يراه كثير من الناس شابًا مكتمل البنية والإدراك، قادرًا على التمييز بين الخير والشر، ومدركًا تمامًا لعواقب أفعاله.

 

وهنا يبرز السؤال الذي يتردد على ألسنة الناس: هل يكفي عامل السن وحده لتحديد المسؤولية الجنائية؟ وهل من العدل أن تُعامل بعض الجرائم البالغة الخطورة بمعايير مخففة لمجرد أن مرتكبها لم يبلغ السن القانونية التي حددها المشرّع؟

 

إن الغضب الشعبي في مثل هذه القضايا مفهوم ومبرر، خاصة عندما تكون النتيجة إزهاق روح بريئة أو ارتكاب جريمة تهز ضمير المجتمع. فالناس لا تنظر إلى رقمٍ في شهادة الميلاد بقدر ما تنظر إلى حجم الجريمة، وإلى مقدار الوعي والإدراك الذي كان لدى مرتكبها لحظة ارتكاب الفعل.

 

وفي المقابل، وضعت القوانين الحديثة أنظمة خاصة بالأحداث انطلاقًا من فلسفة قانونية تعتبر أن صغار السن أكثر قابلية للإصلاح والتقويم من البالغين، وأن العقوبة وحدها ليست دائمًا الحل الأمثل. لكن المشكلة تظهر عندما تتسع الفجوة بين شعور المجتمع بالعدالة وبين النصوص القانونية القائمة، فيشعر الناس أن بعض الجرائم لا تجد العقوبة التي تتناسب مع بشاعتها.

 

إن النقاش الحقيقي ليس حول الانتقام، بل حول تحقيق العدالة وحماية المجتمع. فهل ينبغي إعادة النظر في بعض التشريعات المتعلقة بالجرائم الجسيمة التي يرتكبها من هم على أعتاب البلوغ أو بعده؟ وهل يجب أن يكون معيار الإدراك والوعي بالفعل الإجرامي حاضرًا إلى جانب معيار السن؟

 

وفي تراثنا الإسلامي نجد أن التكليف يرتبط بالبلوغ والعقل والإدراك، وهي معايير جعلت الإنسان مسؤولًا عن أفعاله أمام الله تعالى. ولذلك يرى كثيرون أن من بلغ سن الرشد الجسدي والعقلي، وأقدم عن وعي وإصرار على جريمة خطيرة، ينبغي أن يتحمل مسؤولية كاملة تتناسب مع فعله، مع بقاء حق المشرّعين والقضاة في تقدير ما يحقق المصلحة العامة والعدالة.

 

إن حماية المجتمع لا تكون بالغضب وحده، كما أن الرحمة لا تعني التفريط في حقوق الضحايا. وبين هذين الأمرين يبقى السؤال مفتوحًا أمام المشرعين وأهل القانون:

 

هل ما زالت النصوص الحالية تحقق التوازن بين إصلاح الجاني وإنصاف الضحية وحماية المجتمع، أم أن الوقت قد حان لمراجعة بعض القوانين بما يواكب حجم التحديات والجرائم التي نشهدها اليوم؟

 

ذلك هو السؤال الذي يستحق النقاش.

بقلم / د. إسماعيل داود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى