
ادرس عدوك 1
بقلم خالد البنا
إذا أردنا أن نفهم إسرائيل بعمق، فربما تكون القاعدة الأولى هي لا تدرس إسرائيل من خلال الدعاية العربية ولا من خلال الدعاية الإسرائيلية، بل من خلال مؤسساتها وقواعد عملها الداخلية.
فالدول لا تُفهم من خلال الشعارات، وإنما من خلال الطريقة التي تُصنع بها القرارات.
كيف يعمل النظام السياسي الإسرائيلي؟
إسرائيل ليست جمهورية رئاسية مثل الولايات المتحدة، وليست دولة يحكمها رئيس منفرد، بل هي ديمقراطية برلمانية يقوم مركزها على البرلمان المسمى Knesset، ويتكون من 120 عضوًا منتخبين بنظام التمثيل النسبي. ولا توجد دوائر انتخابية محلية، بل تعتبر إسرائيل كلها دائرة انتخابية واحدة.
الحكومة لا تأتي مباشرة من الشعب، بل من الأغلبية البرلمانية. فإذا حصلت مجموعة أحزاب على 61 مقعدًا أو أكثر تستطيع تشكيل الحكومة. ولهذا فإن إسرائيل عرفت عبر تاريخها حكومات ائتلافية متعاقبة، لأن حزبًا واحدًا نادرًا ما يحصل على أغلبية مطلقة.
نقطة القوة الأولى قوة المؤسسة لا قوة الفرد
من أهم أسباب صمود إسرائيل أن السلطة ليست مرتبطة بشخص واحد.
رئيس الوزراء مهم، لكنه ليس الدولة.
قد يسقط رئيس الوزراء في انتخابات أو يُحاكم أو يخرج من السلطة، بينما تستمرالمؤسسة العسكرية.والقضاء.والبيروقراطية الحكومية.
الجامعات ومراكز الأبحاث.والأحزاب السياسية.
ولهذا لم تتوقف الدولة الإسرائيلية عند وفاة David Ben-Gurion أو اغتيال Yitzhak Rabin أو رحيل قادة آخرين.
نقطة القوة الثانية: التعددية
المجتمع الإسرائيلي منقسم بشدة
علمانيون.ومتدينون.ويمين.ويسار.ويهود شرقيون.ويهود غربيون.وعرب.ودروز.
لكن النظام يسمح بتمثيل هذه الجماعات داخل البرلمان. ولهذا تجد أحزابًا صغيرة تستطيع الوصول إلى البرلمان والمشاركة في صنع القرار.
نقطة القوة الثالثة تداول السلطة
منذ تأسيس إسرائيل تعاقبت حكومات كثيرة وأحزاب مختلفة على الحكم.
فالانتخابات ليست حدثًا استثنائيًا، بل جزء من الحياة السياسية اليومية.
ولهذا لا يرتبط بقاء النظام ببقاء شخص بعينه.
نقطة القوة الرابعة ثقافة الجدل والنقد
من يقرأ محاضر البرلمان الإسرائيلي يلاحظ حجم الجدل والصراع العلني بين القوى السياسية. حتى أثناء الحروب توجد خلافات حادة داخل المجتمع نفسه.
هذه الصراعات قد تبدو ضعفًا، لكنها أحيانًا تمنع تراكم الأخطاء دون مراجعة.
لكن أين نقاط الضعف
أولاً: كثرة الانقسامات
النظام النسبي يجعل الأحزاب الصغيرة قادرة على ابتزاز الحكومات أحيانًا.
فقد تسقط حكومة كاملة إذا انسحب حزب صغير من الائتلاف الحاكم. ولهذا شهدت إسرائيل انتخابات متكررة خلال سنوات قليلة.
ثانياً غياب دستور مكتوب كامل
إسرائيل لا تملك دستورًا واحدًا شاملاً بالمعنى التقليدي، بل تعتمد على مجموعة من القوانين الأساسية. ويعتبر بعض الباحثين أن هذا يجعل قواعد اللعبة السياسية أكثر قابلية للتعديل والصراع.
ثالثاًالصراع بين القضاء والسياسة
من أكبر الأزمات الإسرائيلية الحديثة الجدل حول سلطة المحكمة العليا وتعيين القضاة.
يرى مؤيدو الإصلاحات أن القضاء كان قويًا أكثر من اللازم.
ويرى معارضوها أن السياسيين يحاولون تقليص الرقابة القضائية.
وقد أدت هذه الخلافات إلى مظاهرات واسعة وانقسام مجتمعي حاد.
رابعاًالتوتر بين الهوية اليهودية والديمقراطية
إسرائيل تعرف نفسها بأنها دولة يهودية وديمقراطية في الوقت نفسه.
وهنا يظهر سؤال دائم
كيف يمكن الجمع بين هوية قومية يهودية وبين المساواة الكاملة لكل المواطنين
هذا النقاش لا يزال قائمًا داخل إسرائيل نفسها، وبرز بقوة مع قانون الدولة القومية لعام 2018.
كيف يفهم العرب هذا النظام
أحد أخطاء التفكير الشائعة في المنطقة هو تصور أن إسرائيل تتحرك بعقل رجل واحد.
الحقيقة أن القرار الإسرائيلي غالبًا ينتج عن
أحزاب.وائتلافات.وجيش.وأجهزةأمن.ومحاكم.ورأي عام.وجماعات ضغط.
ولذلك فإن فهم إسرائيل يحتاج إلى دراسة مؤسساتها أكثر من دراسة شخصيات قادتها.
كيف نتعامل مع إسرائيل
إذا تحدثنا بمنطق المصالح لا بمنطق العواطف، فإن التعامل مع أي دولة قوية يكون عبر
فهم مؤسساتها.دراسة نقاط القوة قبل نقاط الضعف.بناء مؤسسات قوية مقابلة.
الاستثمار في العلم والتعليم والاقتصاد.
عدم الاكتفاء بالشعارات أو الخطابة.
فالدرس الأهم في التجربة الإسرائيلية ليس أن نتفق معها أو نختلف معها، بل أن ندرك أن الدول الحديثة تُبنى بالمؤسسات المستقرة أكثر مما تُبنى بالأفراد
ولذلك يمكننا القول بأن معرفة الخصم ليست إعجابًا به، كما أن نقده ليس جهلًا به. إنما المعرفة الحقيقية تبدأ حين ننظر إليه كما هو، لا كما نحب أن نراه.




