عبوديه الاحتياج وشجاعه المحاوله

كتب الأديب أحمد أمين عثمان
ليس كل قيد من حديد فبعض القيود تولد داخل النفس قبل أن تفرضها الظروف.
وأشد ما يستعبد الإنسان ليس الفقر ولا العجز ولا قلة الحيلة بل أن يجعل مصيره معلقا بشخص أو سعادته رهينة بوجود أحد أو كرامته ثمنا يدفعه مقابل إحتياج عابر.
فالإحتياج حين يتجاوز حدوده الطبيعية يتحول من ضرورة إنسانية إلى عبودية خفية ومن جسر للتواصل إلى باب للإنكسار.
وما أكثر الذين باعوا راحة أرواحهم لأنهم ظنوا أن النجاة لا تأتي إلا من وعد أو يد غيرهم وما أكثر الذين تحملوا الأذى والإهانة والتهميش لأنهم أقنعوا أنفسهم أن البديل مستحيل.
غير أن الحقيقة الأزلية التي تؤكدها تجارب البشر جميعا هي أن الله لم يخلق إنسانا ليكون ظلا لإنسان آخر مستغل لتحقيق الأمال والأماني بل خلقه حرا في إرادته عزيزا في كرامته قادرا على النهوض كلما تعثر والسير كلما أغلقت الطرق في وجهه.
ومن رحم الإحتياج يولد خوف آخر لا يقل خطورة هو الخوف من المحاولة.
ذلك الشبح الذي لا يهزم الإنسان بقوته بل بأوهامه.
كم من فكرة كان يمكن أن تغير حياة صاحبها لو لم يخنقها التردد في مهدها..
وكم من مشروع عظيم دفن تحت ركام عبارة لست قادر الأن أو مستعدا بعد..
وكم من فرصة مرت كنسمة عابرة لأن صاحبها كان ينتظر يقينا كاملا في عالم لم يعرف اليقين الكامل يوما..
إن المأساة الكبرى ليست أن يفشل الإنسان بل أن يحكم على نفسه بالفشل قبل أن يبدأ.
فالفشل حدث عابر أما الخوف فهو سجن دائم. والفشل يعلم بينما الخوف يعطل والفشل يضيف إلى التجربة أما الخوف فيسلب الإنسان حتى فرصة التجربة.
ولعل المفارقة العجيبة أن أكثر الجدران التي تعيق البشر لم تبنها الظروف بل بنتها عقولهم.
فالعقل المرتاب يصنع ألف حجة ليبرر التراجع بينما العقل المؤمن بذاته يصنع من الحجارة سلما ومن العثرات دروسا ومن الأزمات بدايات جديدة.
الثقة بالنفس ليست غرورا كما يظن البعض فالغرور تضخم للوهم أما الثقة فهي إدراك للحقيقة.
هي أن تعرف حجمك الحقيقي دون تهوين أو تهويل أن ترى مواطن ضعفك دون أن تستسلم لها وأن تدرك مواطن قوتك دون أن تتكبر بها.
هي أن تؤمن أن لك رسالة في هذه الحياة وأن وجودك ليس صدفة عابرة في دفتر الزمن إن الشمس لا تسأل النجوم عن حقها في الإشراق والنهر لا يستأذن الصخور كي يجري والطيور لا تنتظر شهادة من أحد لتفرد أجنحتها في السماء.
وكذلك الإنسان لا ينبغي أن ينتظر إذنا من الخوف ليحلم ولا موافقة من الشك ليبدأ ولا إعترافا من الآخرين بقيمته حتى يؤمن بنفسه.
فالذين غيروا وجه التاريخ لم يكونوا أكثر الناس يقينا بالنتائج بل أكثرهم شجاعة في مواجهة المجهول.
ساروا رغم الخوف وبدأوا رغم التردد وآمنوا بالطريق قبل أن تظهر نهايته.
لهذا لا تجعل إحتياجك لأحد يمنح غيرك سلطة على روحك ولا تجعل الخوف من السقوط يحرمك متعة التحليق.
تمسك بكرامتك كما يتمسك الغريق بأنفاسه الأخيرة وتمسك بأحلامك كما تتمسك الأرض ببذورها قبل الربيع.
وأعلم أن الحياة لا تنحاز للأقوى جسدا ولا للأغنى مالا ولا للأكثر نفوذا بل تنحاز في نهاية المطاف لمن إمتلك شجاعة أن يكون نفسه وجرأة أن يبدأ وإيمانا بأن الله لم يودع فيه القدرة على السير عبثا.
فما ضاع إنسان لأنه حاول ولكن ضاع كثيرون لأنهم خافوا أن يحاولوا.
لا تجعل قلبك أسيرا لمن تحتاجه ولا تجعل أحلامك رهينة لما تخشاه.
فالكرامة تصنع الأحرار والثقة تصنع العظماء والمحاولة وحدها هي الجسر الممتد بين ما أنت عليه اليوم وما تستطيع أن تكونه غدا. إبدأ ولا تخف.




