قرار غيّر مجرى التاريخ مأساة الجسر التي علمت القادة أن الشجاعة وحدها لا تكفي

قرار غيّر مجرى التاريخ مأساة الجسر التي علمت القادة أن الشجاعة وحدها لا تكفي
كتب : أيمن بحر
في شعبان من السنة الثالثة عشرة للهجرة وقف نهر الفرات شاهدًا على واحدة من أكثر الوقائع تأثيرًا في تاريخ الفتوح الإسلامية وهي معركة الجسر التي تحولت إلى درس خالد في القيادة والتخطيط وحسن تقدير المواقف
كان أبو عبيد الثقفي قد حقق انتصارات متلاحقة على الفرس في العراق واستعاد ما فقده المسلمون خلال فترة قصيرة وألحق بالجيش الساساني هزائم متتالية رغم تفوقه في العدد والعدة الأمر الذي دفع القائد الفارسي رستم إلى تجهيز جيش ضخم بقيادة بهمن جاذويه مدعومًا بالفيلة المدرعة وراية الدولة الساسانية التي كانت لا ترفع إلا في المعارك الفاصلة
تحرك أبو عبيد بجيشه حتى وصل إلى ضفاف الفرات وتمركز في أرض تمنح المسلمين أفضلية الحركة والمناورة لكن قائد الفرس أرسل إليه يعرض عليه أن يعبر أحد الجيشين إلى الآخر
اجتمع القادة وأجمع معظمهم على البقاء في مواقعهم وترك الفرس يعبرون النهر حتى يصبحوا في موقف أضعف بينما حذر عدد من الصحابة من أن عبور المسلمين سيحاصرهم بين النهر والجيش الفارسي ويقضي على ميزتهم العسكرية
لكن أبا عبيد رأى أن المبادرة أولى وقال كلمته الشهيرة لا يكونون أجرأ منا على الموت بل نصير إليهم وأمر بإقامة جسر لعبور الجيش إلى الضفة الأخرى
ما إن اكتمل العبور حتى اندفعت الفيلة المدرعة في مقدمة الجيش الفارسي فأفزعت خيل المسلمين وبدأت الصفوف تضطرب وأدرك أبو عبيد خطورة الموقف فاندفع بنفسه نحو أكبر الفيلة محاولًا إسقاطه بعد أن عرف أن خرطومه هو أضعف مواضعه
قاتل القائد المسلم بشجاعة نادرة حتى سقط شهيدًا تحت أقدام الفيل ثم استشهد من بعده أخوه وابنه وعدد من القادة الذين أوصى بهم حتى آلت القيادة إلى المثنى بن حارثة
وفي ذروة المعركة وقع خطأ آخر عندما أمر أحد المقاتلين بقطع الجسر ظنًا منه أن ذلك سيدفع المسلمين إلى الثبات في القتال لكن القرار حاصر الجيش بين مياه الفرات وجيش الفرس فاندفع كثير من المقاتلين نحو النهر وغرق عدد كبير منهم
وسط هذا المشهد المأساوي ظهر المثنى بن حارثة بثباته وشجاعته فأعاد إصلاح الجسر تحت وابل السهام ووقف يحمي انسحاب الجنود حتى عبر آخر المقاتلين ثم كان آخر من غادر أرض المعركة بعد أن أصيب بجراح شديدة
انتهت معركة الجسر بخسارة كبيرة للمسلمين واستشهاد آلاف المقاتلين لكنها لم تكن نهاية الطريق فقد أعاد المثنى تنظيم الجيش واستعاد المسلمون توازنهم ثم جاء النصر في معركة البويب وبعدها معركة القادسية التي أنهت الدولة الساسانية وفتحت العراق أمام المسلمين
وبقيت معركة الجسر عبرة خالدة تؤكد أن البطولة والشجاعة لا تكفيان وحدهما لتحقيق النصر وأن القائد الناجح هو من يجمع بين الجرأة والحكمة ويصغي إلى أهل الخبرة لأن قرارًا واحدًا قد يغير مصير أمة بأكملها.




