
خمس قطط
بقلم خالد البنا
في تلك الليلة، لم يكن البرد قاسيًا بقدر ما كان الصمت قاسيًا.
جلس محمود أمام باب شقته، ينظر إلى قطتين صغيرتين ترتجفان تحت ضوء السلم الخافت. كانتا تلتصقان ببعضهما كما يلتصق طفلان ضائعان في محطة قطار بعد أن يفوتهما القطار الأخير.
منذ أيام فقط، كانتا خمسًا.
خمس كرات صغيرة من الفرو، تنام فوق بعضها كأنها تعرف أن العالم واسع ومخيف، وأن الدفء لا يأتي إلا من الاقتراب. كانت أمهم تلعق وجوههم ثم تختفي ساعات طويلة تبحث عن لقمة في شوارع لا ترحم. وبعد أسابيع، اختفت الأم تمامًا، كأن الفقر لم يترك لها حتى حق الأمومة.
في البداية، كان منظر القطط يثير الضحك في البيت. ابنة أخيه كانت تضحك حين تراهم يتسابقون نحو طبق اللبن، وأخته كانت تتمتم: يا حرام… ربنا يرزقهم.
لكن الحرام في البيوت الفقيرة مؤقت دائمًا.
حين بدأوا يوسخون الكنب، تغيّر كل شيء.
صرخ ابن أخيه إحنا مش فاتحين ملجأ
ثم حملهم في كرتونة قديمة، ومضى.
لم يسأله أحد إلى أين.
لكن محمود عرف.
عرف من تلك النظرة الباردة التي يكتسبها البشر حين يريدون التخلص من شيء ضعيف.
ذهب خلفه متأخرًا، وكانت الجبانة تمتد تحت الغروب مثل بحر من الحجارة الصامتة. وجد الكرتونة مقلوبة، والقطط تفرقت في كل اتجاه، مذعورة من العالم لأول مرة.
أنقذ اثنتين.
أما الثلاثة الآخرون، فقد ابتلعهم الليل.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد محمود قادرًا على النوم.
كان يشعر أن القطط الصغيرة لم تضيع وحدها، بل ضاع معها شيء داخله. شيء كان يظن أنه ما زال حيًا رغم تعب الدنيا.
في الشارع، كان الناس يعبرون بجواره ببساطة مدهشة.
رجل يحمل الخبز. امرأة تشتري الخضار. طفل يركل كيسًا فارغًا.
ولا أحد يسأل أين ذهبت القطط
كأن الكائنات الضعيفة خُلقت لتختفي بصمت.
تذكر محمود جملة يسمعها دائمًا اتركها تأكل من خشاش الأرض
وكان يتساءل في مرارة أيعني ذلك أن نتركها للجوع هل الله يطعمها بأيدينا ثم نتخلى نحن عن أيدينا أليس البشر أحيانًا هم رزق الكائنات الضعيفة
نظر إلى القطتين أمامه.
كانت إحداهما نائمة فوق الأخرى، كأنها تحرسها من العالم.
شعر بغصة حادة في صدره.
ثم قام بهدوء، أحضر طبقًا صغيرًا، وضع فيه بعض اللبن وقطعة خبز مبللة بالماء.
اقتربت القطتان ببطء.
وأكلتا.
وفي تلك اللحظة، شعر محمود أن قلبه المتعب من البشر، ومن الكلام الكبير، ومن القسوة التي أصبحت عادية قد نجا قليلًا.
فبعض الرحمة لا تغيّر العالم كله.
لكنها تمنع روحًا واحدة على الأقل من السقوط الكامل.
وفي الخارج، كانت المدينة تمضي كعادتها… بضجيجها، وقسوتها، ولا مبالاتها القديمة.
أما فوق عتبة الشقة، فكان هناك قطتان صغيرتان، ورجل يحاول، بصعوبة، أن يظل إنسانًا.



