مقالات الرأي

لا تقولوا كان مجرد كلب

الرحمة

 

 

لا تقولوا: كان مجرد حيوان

بقلم خالد البنا
حين يموت إنسان، نعرف ماذا نفعل.
نفتح العزاء، نُعدّ الكلمات، نرتدي السواد، ونسمح للدمع أن ينزل بلا خجل.
لكن حين يموت قط…
حين يرحل كلب…
نُطالَب بالصمت.
بالتحكّم.
وبأن نبتلع الفقد كأنه خطأ أخلاقي.
“كان مجرد حيوان”
هكذا يقولون،
وكأن “المجرد” لا يوجِع،
وكأن القلب يفهم التصنيفات.
الحيوان الذي لم يخن
ذلك الكائن الصغير الذي دخل البيت دون استئذان،
لم يسأل عن الماضي،
لم يفتش في العيوب،
لم يقارن،
لم يساوم.
جلس قرب الأقدام المتعبة،
وسهر مع الأرق،
واستقبل الصباحات الحزينة بذيل يهتز أو مواء خافت
كأنه يقول:
أنا هنا… حتى لو كان العالم كله غائبًا.
لم يكن يعرف الكلام،
لكنه كان يفهم كل شيء.
لماذا تبكي النساء أكثر؟
لأن النساء يعرفن معنى أن تعطي بلا ضمان.
يعرفن طعم الرعاية التي لا يُكافأ عليها.
يعرفن أن تكون مسؤولًا عن روح أضعف منك.
الحيوان الأليف لم يكن “حيوانًا” في حياة المرأة،
كان طفلًا بلا ضجيج،
وصديقًا بلا خذلان،
وعزاءً بلا أسئلة.
وعندما يرحل…
لا يرحل وحده.
يرحل:
صوت الأقدام الصغيرة في البيت،
عادة الصباح،
سبب الاستيقاظ،
وقطعة من القلب لم تكن تعرف أنها قابلة للكسر.
الفقد الصامت
أسوأ أنواع الفقد
هو الذي لا يعترف به أحد.
لا أحد يقول:
البقاء لله.
لا أحد يضع يده على كتفك.
لا أحد يفهم لماذا تنظرين إلى الأرض الفارغة وكأنها هاوية.
فتبكين وحدك.
وتخففين صوت بكائك
حتى لا تُتَّهمي بالمبالغة.
لكن القلب لا يعرف المبالغة.
القلب يعرف الغياب فقط.
حين يرحل الكائن الذي كان ينتظر
كان ينتظرك.
كل يوم.
حتى في أسوأ حالاتك.
حتى حين خذلتِ نفسك.
لم يسألك: لماذا تأخرتِ؟
لماذا تغيّرتِ؟
لماذا ضعفتِ؟
وحين مات…
لم يأخذ معه حياته فقط،
أخذ إحساسًا نادرًا
بأن هناك من كان يحبك
كما أنتِ،
لا كما يجب أن تكوني.
لا تسخروا من هذه الدمعة
من يسخر من حزن إنسان على حيوان
لم يفهم بعد معنى الرحمة.
ومن لا يحتمل دمعة على كائن ضعيف
لن يحتمل يومًا دمعة على بشر.
الخاتمة (وجع نعمات أحمد فؤاد)
لا تقولوا: كان مجرد حيوان.
قولوا:
كان قلبًا صغيرًا
احتمَل عالمًا كبيرًا.
وقولوا لمن بكى:
ابكِ…
فالدمعة التي تُسقَط على كائن صامت
هي شهادة إنسانية
في زمن ندر فيه الإنسان.
ولو حابب، أقدر:
أزوده أكثر وجعًا،
أو أخليه أقرب للسيرة الذاتية،

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى