مقالات الرأي

كيف تحولت مصر من المسيحية إلى الإسلام 2

كيف دخل المصريون المسيحيون الإسلام بالتدريج قراءة اجتماعية وإنسانية في تحول طويل ومعقد

تنويه
هذا أول بحث تاريخي يناقش مسألة كيفية تحول الأغلبية المسيحية في مصر إلى الإسلام عبر مئات السنين
لأن الفكرة الشائعة أن أول ما دخل عمرو بن العاص مصر دخل كثير من المسيحيين
الإسلام في أعوام قليلة جدا خوفا من دفع الجزية
وهذا غير موجود في التاريخ على الإطلاق
دخل الاسلام مصر حوالى عام 642 وأصبحت مصر ذات أغلبية مسلمة في 1000 ميلاديا
يعني استغرق تحول الأغلبية المسيحية إلى
الإسلام حوالي 400 سنة
وهذا اطول تحول ديني عبر التاريخ

كيف تحولت مصر من المسيحية إلى الإسلام 2
بقلم خالد البنا
كيف دخل المصريون المسيحيون الإسلام بالتدريج
قراءة اجتماعية وإنسانية في تحول طويل ومعقد

حين نتأمل تاريخ مصر بعد الفتح الإسلامي، لا يجب أن نتخيل المشهد وكأنه:
قرار جماعي مفاجئ، أو:
شعب استيقظ صباحًا فغيّر دينه كله.
فالتاريخ الحقيقي أكثر هدوءًا وتعقيدًا وإنسانية.

أولًاالتحول لم يكن جماعيًا ولا فوريًا
بعد دخول عمرو بن العاص ظل أغلب المصريين
مسيحيين،يتحدثون القبطية،
ويعيشون حياتهم المعتادة.
وكان المسلمون أقلية حاكمة في البداية.
ولهذا فإن أول من دخلوا الإسلام غالبًا كانوا
أفرادًا،أو عائلات صغيرة،
أو سكان مدن احتكوا بالعرب أكثر من أهل القرى.

ثانيا كيف كان يحدث التحول عمليًا
نتخيل مثلًا: رجلًا قبطيًا يعمل في التجارة،
أو الإدارة،أو الجيش المساعد، واحتك يوميًا
بالعرب المسلمين،ولغتهم،وصلاتهم،وثقافتهم.
ثم بدأ يتعلم العربية،ويقرأ القرآن،
أو يقتنع بفكرة التوحيد،
أو يجد أن اندماجه في المجتمع الجديد أسهل إذا أسلم.فيُعلن إسلامه.
هل كانت أسرته تدخل الإسلام معه
في الغالب نعم مع الوقت، لكن ليس دائمًا فورًا.
ففي المجتمعات القديمة كان رب الأسرة يملك تأثيرًا ضخمًاعلى الزوجة،والأبناء،ونمط الحياة كله.ولهذا حين يُسلم الأب، كان كثيرًا ما تتحول الأسرة تدريجيًا معه إما اقتناعًا،أو تبعية اجتماعية،أو اندماجًا في البيئة الجديدة.
لكن توجد أيضًا حالات تاريخية بقي فيها
أحد الزوجين على دينه،
أو انقسمت العائلة دينيًا لفترة.
أي أن التحول لم يكن قالبًا واحدًا ثابتًا.
كيف تغيرت الأسماء
الأسماء تتغير عادة مع تغيراللغة،والثقافة،
والدين،والهوية الاجتماعية.
فالرجل الذي كان اسمه:مينا، أوبطرس، قد يسمي ابنه لاحقًاعبد الله، أومحمد، بعد إسلامه.
ثم بعد جيلين أو ثلاثة تختفي الأسماء القديمة من الفرع العائلي كله، ويصبح الأحفاد
عرب اللغة،مسلمي الثقافة،
ولا يشعرون أصلًا أنهم تحولوا من دين إلى دين قبل قرون.
وهكذا تصنع الحضارات التحولات الكبرى
بالتدريج لا باللحظة الواحدة.

ثالثاً هل كان هناك ضغط اجتماعي واقتصادي
نعم، أحيانًا.وهنا يجب أن نكون صادقين تاريخيًا.فالمسلم داخل الدولة الإسلامية كان يتمتع أحيانًابفرص أكبر،أو ضرائب أقل،
أو مكانة اجتماعية أفضل.
بينما كان غير المسلم يدفع
الجزية، ويُعامل قانونيًا بشكل مختلف في بعض الأمور.
ولهذا دخل بعض الناس الإسلام اقتناعًا،
وبعضهم لأسباب اجتماعية،أو اقتصادية،
أو رغبة في الاندماج الكامل.
وهذا حدث في معظم الإمبراطوريات التاريخية، وليس في التاريخ الإسلامي وحده.

رابعاً هل عدم إشراك المسيحيين الكامل في الحكم كان اضطهادًا
بالمعايير الحديثةنعم، يوجد تمييز ديني واضح مقارنة بفكرة المواطنة الحديثة.
فاليوم نحن نؤمن أن المواطن له نفس الحقوق السياسية مهما كان دينه.
لكن في القرون الوسطى لم تكن فكرة:
الدولة المدنية المتساوية موجودة أصلًا في معظم العالم.
فكل الإمبراطوريات تقريبًا كانت تربط
السلطة،والدين،والهوية السياسية، بعضها ببعض.

خامسا هل مُنع المسيحيون تمامًا من الإدارة
لا.فكثير من المسيحيين عملوا عبر التاريخ الإسلامي في الدواوين،والطب،والمالية،
والترجمة،والإدارة.
وفي بعض العصور أصبح لهم نفوذ كبير جدًا.
لكن المناصب العليا المرتبطة
بالسيادة،والجيش،
والخلافة، كانت غالبًا مرتبطة بالمسلمين باعتبار الدولة دولة إسلامية.

سادساً هل هذا يبرره أخلاقيًا اليوم
هنا يجب التفرقة بين الفهم التاريخي، والتبرير الأخلاقي المعاصر.فنحن نستطيع أن نفهم
لماذا كانت الدول القديمة تفكر هكذا، لكن لا يعني ذلك أننا مطالبون بتطبيق نفس النموذج اليوم.
فالإنسانية تطورت
سياسيًا،وقانونيًا،وفكريًا.
وأصبحت فكرةالمواطنة المتساوية من أسس الدولة الحديثة.

سابعا أخطر خطأ في قراءة التاريخ
هو أن نحاكم القرن السابع الميلادي بالكامل بمعايير القرن الحادي والعشرين فقط، أو العكس أن نقدس الماضي ونرفض تطور مفهوم الحقوق.فالتاريخ ليس ملائكة، ولاشياطين.
بل بشر عاشوا في ظروف عصرهم.

كلمة أخيرة
إن تحول مصر من أغلبية مسيحية إلى أغلبية مسلمة لم يكن لحظة قهر واحدة، ولاقصة مثالية بلا ظلم أو تمييز.
بل كان تحولًا طويلًا جدًا شاركت فيه
العقيدة،واللغة،والسياسة،والمصلحة،والزواج،
والاندماج الاجتماعي، عبر مئات السنين.
ولهذا لا يجوز تحويل التاريخ إلى
دعاية دينية، ولااتهام حضاري دائم.
فالمجتمعات لا تتغير بالسيف وحده بل حين تتغير اللغة التي يتكلمها الناس،
والأسماء التي يسمون بها أبناءهم،
والصورة التي يرون بها أنفسهم داخل العالم الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى