
شركات توظيف الأموال
تحقيق صحفي
خالد البنا
ثلاثة أبواب للمال… وباب واحد للسلطة
حكاية صعودٍ أُريد له أن تنسى
(1) الباب الأول: حين فتح الفقير دفتره
في أواخر الثمانينيات، كان الفقير المصري قد تعلّم درسًا قاسيًا:
الراتب لا يكفي، والبنك لا يُقنع، والفائدة تُذيب القليل قبل أن ينمو.
في هذا الفراغ، ظهر رجالٌ لا يرتدون بدلات السلطة،
ولا يتكلمون لغة الأرقام وحدها،
بل يضعون أيديهم على موضع الوجع.
قالوا للناس:
لا نريد مالك فقط… نريد ثقتك.
فتح الفقير دفتره الصغير،
ووضع فيه ما ادّخره من عمره،
لا طمعًا في ثراء،
بل أملاً في كرامة.
وهكذا صعد أشرف السعد، والريان، والشريف للبلاستيك.
صعدوا لأن الناس صعدت معهم.
(2) الباب الثاني: لماذا شجّعهم الشعراوي وعبدالصبور شاهين؟
لم يكن الشيخ الشعراوي اقتصاديًا،
ولا كان عبدالصبور شاهين رجل أعمال.
لكنهما رأيا ما لم تره الدولة:
رأيا مجتمعًا يُستنزف
ورأيا بديلاً يقول: المشاركة لا الاستغلال
ورأيا مالاً يعمل… لا يُحتكر
دعمهما لم يكن تفويضًا مطلقًا،
بل منح شرعية أخلاقية لفكرة:
أن الفقير يمكن أن يكون شريكًا لا تابعًا.
وكان هذا أخطر ما في الأمر.
(3) الباب الثالث: اللحظة التي قررت فيها الدولة أن القصة انتهت
لم تسقط التجربة لأنها أخطأت فقط،
بل لأنها كبرت أكثر مما ينبغي.
كبرت:
خارج البنوك
خارج السيطرة
داخل قلوب الناس
وهنا، تحركت السلطة.
لم تقل: نُنظّم.
قالت: نُنهي.
في يوم واحد:
تحوّل رجال القمة إلى متهمين
تحوّل المال إلى جريمة
تحوّلت الثقة إلى تهمة سذاجة
ومن القصور… إلى الزنازين.
(4) المشهد الموازي: رجال أعمال من نوع آخر
وبينما أُغلِق الباب الشعبي،
فُتح باب آخر… من أعلى.
ظهر:
هشام طلعت مصطفى
أحمد عز
نجيب ساويرس
وغيرهم
لكنهم لم يأتوا من دفاتر الفقراء،
بل من:
أراضي الدولة
خصخصة المصانع
القوانين المصنوعة على المقاس
القرب من السلطة
هؤلاء لم يحتاجوا إلى ثقة الناس،
بل إلى توقيع.
(5) النتيجة التي يعرفها الجميع
كبرت الثروات…
وصغر المجتمع.
ازداد الغنى في القمة
وازداد الفقر في القاع
وتآكلت الطبقة الوسطى
وتحول المواطن إلى مستهلك بلا أمل
وهنا يبرز السؤال المؤلم:
لو استمرت تجربة توظيف الأموال…
هل كان الفقير سيغتني؟
لا أحد يملك إجابة قاطعة،
لكن المؤكد: أن الفقير لم يَغتنِ بعد سقوطها.
(6) لماذا صوّرتهم الدراما كنصابين؟
لأن الذاكرة تُدار.
في الدراما:
رجل الأعمال الشعبي = محتال
رجل الأعمال السلطوي = ذكي وطموح
رأينا ذلك في مسلسلات جسّدها خالد صالح ويحيى الفخراني:
الشخصية دائمًا ماكرة
دينية في الظاهر
جشعة في الباطن
لم تكن الدراما بريئة،
بل كانت إعادة كتابة للتاريخ بلغة الفن.
الفكرة التي أُريد ترسيخها:
لا تثق إلا في الدولة…
وما عداها فخ.
(7) الخاتمة: ماذا بقي؟
لم يبقَ من التجربة رجالها،
ولا أموالها،
بل سؤالها.
سؤال يطلّ كلما اشتد الفقر:
هل يمكن لاقتصادٍ شعبي أن يعيش في دولة تخاف من الشراكة؟
والإجابة، حتى الآن،
أن التاريخ في مصر لا يحب التجارب التي تبدأ من أسفل،
ولا يرحم من يصعد بلا إذن.
لم يُحاكم رجال توظيف الأموال وحدهم،
بل حُوكمت فكرة أن يمدّ الفقير يده
لا ليستجدي…
بل ليشارك.
نهاية لم تحدث… لكنها كانت ممكنة
لنتخيّل فقط…
أن الدولة لم تضغط الزر الأحمر.
أنها لم تُغلق الباب فجأة،
ولم تُسقط التجربة دفعة واحدة.
لنتخيّل أنها قالت يومًا: نُنظّم… لا نُدمّر.
المشهد الأول: المال يتعلم الانضباط
في هذا الاحتمال،
كانت شركات توظيف الأموال ستُجبر على:
ميزانيات معلنة
رقابة حقيقية
فصل بين الدعوة والإدارة
محاسبة لا تشهير
كان المال الشعبي سيتعلم القواعد،
بدل أن يُدفن حيًا.
المشهد الثاني: الفقير يتغيّر
لم يكن الفقير سيصبح مليونيرًا،
لكنّه لم يكن سيظل مسحوقًا.
بيت يُرمَّم
تعليم لا ينقطع
مرض لا يتحوّل إلى كارثة
أمل صغير… لكنه مستمر
الثروة لم تكن ستتركز في أبراج زجاجية،
بل كانت ستنتشر ببطء،
كالمياه في الأرض العطشى.
المشهد الثالث: الطبقة الوسطى تنجو
الطبقة الوسطى التي سُحقت لاحقًا،
ربما كانت ستنجو.
موظف شريك
مدرس مساهم
عامل له نصيب في الربح
مجتمع لا يعيش على القروض،
ولا ينتظر الصدقات.
المشهد الرابع: الدولة تكسب لا تخسر
المفارقة الكبرى:
أن الدولة لم تكن ستخسر.
ضرائب حقيقية
اقتصاد حي
استقرار اجتماعي
غضب أقل
انفجارات أقل
لكن الدولة خافت…
من الشريك أكثر مما خافت من الفقير.
المشهد الخامس: رجال أعمال من نوع آخر
لو استمرت التجربة:
لما صعد رجل الأعمال وحده
ولما صار الغنى امتيازًا سياسيًا
ولما أصبحت الأرض هبة
ولما صار القانون أداة توزيع
كنا سنرى: رجل أعمال خرج من الناس…
وعاد إليهم.
هل هي مظلومة؟ نعم… تاريخيًا وسياسيًا
مظلومة لأن:
حوكمت كفكرة قبل محاكمتها كممارسة
الدولة لم تحاول تنظّمها بجد،
قررت قتل النموذج كله مرة واحدة.
اُختزلت في كلمة “نصب”
بينما كانت في حقيقتها:
تجربة شعبية
استجابة لفشل البنوك
محاولة بديلة للاقتصاد الرسمي
تم شيطنتها إعلاميًا
الدراما، الصحافة، والخطاب العام
رسموا صورة واحدة: نصاب بلحية
وهذه صورة مريحة للسلطة… لكنها غير دقيقة.
قورنت برجال أعمال لم يُحاسَبوا بنفس المعيار
بينما رجال الخصخصة:
أخذوا أراضي
باعوا مصانع
أفقَروا ملايين
ولم يُقدَّموا كـ«خطر على الدولة».
من الزاوية دي: نعم، مظلومة.
هل هي بريئة؟ لا… اقتصاديًا وإداريًا
ليست بريئة لأن:
الإدارة كانت ضعيفة
في توسّع أسرع من القدرة على الضبط.
الوعود كانت أعلى من الواقع
أرباح غير مضمونة قُدّمت كأنها مؤكدة.
غياب الشفافية
لا توجد ميزانيات واضحة،
ولا يوجد فصل كافي بين الخطاب الديني والإدارة المالية.
بعضها انزلق فعلًا لتدوير الأموال
من هذه الزاوية : ليست بريئة.
إذن أين الحقيقة
الحقيقة هنا
شركات توظيف الأموال ليست ضحية بريئة،
ولا مجرمة مطلقة،
بل تجربة شعبية أُجهضت بعقاب سياسي أشد من خطئها الاقتصادي.
لو كانت:
نظمت
رقبت بعدل
وحوكمت كل شركة على حدة
كان التاريخ كتب سطرًا مختلفًا.
الخلاصة بجملة واحدة:
أخطأت… نعم.
لكن العقاب لم يكن بحجم الخطأ،
وكان موجّهًا للفكرة أكثر من الفعل.
وهذا معناه إنها مظلومة جزئيًا.
“لم تُسجن شركات توظيف الأموال لأنها سرقت الناس فقط، بل لأنها قالت للفقير: يمكنك أن تكون شريكًا.”




