تكريمقصص نجاحات

من المخبز والركام إلى محراب الطب: “سلامة الدهشان”.. الفتى الذي قهر الحرب لوفاء عهد الشهيد

من المخبز والركام إلى محراب الطب: “سلامة الدهشان”.. الفتى الذي قهر الحرب لوفاء عهد الشهيد

بقلم: هيئة التحرير – جريدة زون نيوز جلوبل

“المعدل ليس مجرد رقم، بل هو رسالة وفاء من ابنٍ بار لروح أبيه الشهيد…”

في أزقة غزة الصامدة، حيث تصنع الآلام أبطالاً لا تُهزم عزائمهم، تبرز قصة البطل سلامة أحمد الدهشان (مواليد 18/3/2008) كأحد أروع الأمثلة على التحدي والإرادة والصبر. قصة لم تكن مجرد مرحلة دراسية في الثانوية العامة (التوجيهي)، بل ملحمة إنسانية خطها فتى بعمر الثامنة عشرة بالدمع والتراب وعرق الجبين.

نشأة بين الدلال.. وصدمة الرحيل

ولد سلامة في كنف عائلة كريمة، وكان في صغره مدللاً مقرباً من قلب والده المرحوم “أحمد الدهشان”، حتى كان يُقال عنه في العائلة إنه “ولد وفي فمه ملعقة من ذهب” من كثرة ما حظي به من محبة ورعاية.

لكن أقدار الابتلاء في غزة كانت تخبئ امتحاناً زلزل أركان هذه العائلة؛ ففي التاسع من يناير 2024 ($9/1/2024$)، ارتقى والده شهيداً إلى جوار ربه، ولم تكن هذه الفاجعة وحيدة، بل لحق به الجد والأعمام، لتجد العائلة المكونة من الأم وثلاثة أولاد وبنت صغيرة أنفسهم بلا سند ظاهري. وفي تلك اللحظة الفاصلة، انكسرت طفولة سلامة وتوارى الدلال، ليزين الفتى كتفيه بعباءة “الرجل والأب الحنون” لإخوته وأخته الصغرى، وهو لم يتجاوز الستة عشر عاماً بعد.

رحلة كفاح الفجر: من مخبز العائلة إلى مقاعد الدراسة

لم يستسلم سلامة لطوفان الحزن؛ بل جعل من آلام الفقد وقوداً لتحقيق حلم والده الراحل. وفي وسط أهوال الحرب، واصل دراسته في مرحلتي العاشر والحادي عشر بمدرسة الصحابة وحصل على معدل $96\%$ بامتياز، مؤكداً أن العزيمة تتوهج كلما أظلمت الظروف.

وعندما حان عام “التوجيهي” الفاصل، تجلت أسمى صور التضحية والصمود؛ إذ كان سلامة يستيقظ في الثالثة فجراً، يرتدي ملابس المدرسة مسبقاً، ثم ينطلق إلى “مخبز الدهشان” — إرث أبيه وأعمامه الشهداء — ليعمل هناك ويدير شغل العائلة ويوفر رزقها. ومن قلب المخبز، ينطلق مباشرة مشياً على الأقدام طوال الطريق إلى مدرسة “معهد الأمل” لعدم توفر المواصلات.

لم يعرف جسده الراحة، حتى في أيام الجمعة كان يواصل الليل بالنهار بين العمل والمذاكرة، خاتماً المنهج العلمي بأكمله أربع مرات متتالية.

مرارة التقييم وشغف “طب الأسنان”

كان سلامة يتطلع ويتوقع نيل معدل يتجاوز $95\%$ في الامتحان الوجاهي، إلا أن القرار الاعتمادي للامتحانات الإلكترونية وتقييم السنوات السابقة نزل عليه كالصدمة النفسية؛ إذ أُلغي اعتماد معدل الـ $96\%$ الذي حققه سابقاً ولم تعكس النتيجة النهائية ($89.7\%$) حجم التعب الجبار الذي بذله في التوجيهي. ورغم أنه كان يطمح للطب البشري، إلا أن هذا التقييم حال دون ذلك.

وهنا برز الدور العظيم لأمه — السند والدعم الأكبر في حياته — التي وقفت كالجبل الأشم تسانده وتخفف عنه. وبدلاً من الاستسلام، وجه سلامة شراع أمله نحو خيار سامٍ آخر، وسجل اليوم رسمياً في كلية طب الأسنان بالجامعة، ليبدأ أول خطوة فعلية في عالم الطب ويضع قدمه على طريق الشفاء والتخفيف عن آلام الناس.

رسالة إلهام: سلامة الدهشان قدّها وستتحقق أمنية الشهيد

إن قصة سلامة هي درس حي لكل طالب ولكل إنسان يمر بالظروف الصعبة. إن الله إذا أخذ شيئاً عوض بغيره، وقوة الأب الشهيد اليوم تسري في عروق هذا الابن البار. سلامة لم يكن مجرد طالب ثانوية، بل كان وما زال سفيراً للصبر والأمانة ومثالاً للرجل “الجدع” الذي حمل عائلته وإرث أبيه على كتفيه في أصعب أوقات غزة.

إننا في “زون نيوز جلوبل” نرفع القبعة إجلالاً لسلامة أحمد الدهشان ولأمه الفاضلة، ونثق تمام الثقة أن الغد يحمل بين طياته البشارة، وأن اسم الدكتور سلامة أحمد الدهشان سيرصع يوماً على جدران أكبر عيادات ومشافي غزة والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى