التنوير في مواجهة اليقين المغلق

التنوير في مواجهة اليقين المغلق
بقلم أيمن بحر
إن تاريخ البشرية لم يكن يومًا طريقًا مستقيمًا ينتقل فيه الإنسان من الجهل إلى المعرفة ومن التعصب إلى التسامح ومن الاستبداد إلى الحرية بل هو تاريخ يتحرك في موجات متعاقبة يتقدم فيها العقل أحيانًا ثم يتراجع أمام الخوف والعنف والأسطورة في أحيان أخرى
ففي كل مرحلة يظهر التنوير بوصفه محاولة لتحرير العقل من الخوف والوصاية ثم تظهر في مواجهته قوى تبحث عن إعادة المجتمع إلى إجابات مغلقة ترى في الشك خطرًا وفي الاختلاف تهديدًا وفي التفكير المستقل خروجًا عن الجماعة
ولهذا فإن ما نراه من أزمات فكرية واجتماعية داخل بعض المجتمعات لا يمكن فهمه باعتباره ظاهرة منفصلة عن التاريخ الإنساني بل هو جزء من صراع قديم ومستمر بين حرية العقل وسلطة اليقين المغلق
كما أن صعود تيارات الإسلام السياسي لا يمكن تفسيره بعامل واحد مثل الجهل وحده فقد ارتبط في مراحل مختلفة بمجموعة معقدة من الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية من بينها الهزائم الوطنية والأزمات الاقتصادية والتحولات التي شهدتها الدولة والقلق من المستقبل والشعور بالإحباط والإهانة إلى جانب قدرة بعض التيارات على بناء خطاب دعائي يقدم تفسيرًا بسيطًا لأزمات شديدة التعقيد
وفي مثل هذه الظروف يصبح الخطاب الذي يمنح الناس عدوًا واضحًا ويلقي عليه مسؤولية الأزمات أكثر قدرة على الانتشار من الخطاب الذي يطالب بالصبر والعمل والإصلاح ومراجعة الأخطاء
فالخطاب الشعبوي لا يقول للإنسان إن الواقع معقد ويحتاج إلى سنوات من العمل والتغيير بل يمنحه إجابة جاهزة تقوم على فكرة أننا أصحاب مجد ضائع وأن هناك من تعمد إسقاطنا وأن استعادة الماضي هي الطريق الوحيد للخلاص
ومن هنا تظهر مجموعة من الأفكار التي تتكرر بأشكال مختلفة مثل اختراع عدو دائم وتحميله مسؤولية الأزمات وتقديم الماضي باعتباره عصرًا كاملًا لا يعتريه النقص وتحويل الانتماء إلى عصبية وتقديس الزعيم أو القائد أو صاحب الخطاب الديني وإعفاء الفرد والجماعة من مسؤولية مراجعة الذات ونقد الأفكار والتراث
وتكمن خطورة أي فكرة عندما تقدم نفسها باعتبارها الحقيقة النهائية التي لا تقبل النقاش وعندما يتحول المختلف من مواطن له حق الاختلاف إلى عدو يجب إقصاؤه أو محاربته
وهنا يمكن ملاحظة أن السلفية الدينية والفاشية القومية وبعض أشكال الشمولية الثورية تختلف في مصادرها وشعاراتها وأهدافها المعلنة لكنها قد تتشابه في بعض البنى السياسية والنفسية عندما تقوم على يقين مطلق لا يقبل الشك وعلى تصور لماض نقي يجب استعادته أو مستقبل مثالي يجب فرضه وعلى تقسيم المجتمع إلى جماعة ترى نفسها صاحبة الحقيقة في مواجهة الآخرين
والسؤال الأهم هنا هو لماذا ينجذب الإنسان إلى الإجابات المغلقة
من السهل وصف الجماهير بالجهل أو العجز عن التفكير لكن هذا التفسير وحده لا يفسر الظاهرة ولا يقدم طريقًا حقيقيًا لمعالجتها
فالإنسان لا يبحث دائمًا عن الفكرة الأكثر منطقية بقدر ما يبحث أحيانًا عن الفكرة التي تمنحه الأمان وتحفظ كرامته وتفسر آلامه وتمنحه شعورًا بالانتماء إلى جماعة يشعر داخلها بأنه أقوى وأكثر قدرة على مواجهة العالم
ولهذا يستطيع الخطاب المتعصب أن يجد طريقه إلى النفوس عندما يقدم إجابات نهائية لا تحتمل التعقيد
هذا هو الحق وهذا هو الباطل
نحن الأخيار وهم الأشرار
الماضي كان كاملًا والحاضر فاسد
المشكلة ليست فينا بل في عدو يتربص بنا
مثل هذه الإجابات قد تكون خاطئة لكنها مريحة نفسيًا لأنها تعفي الإنسان من مشقة البحث وتمنحه هوية جاهزة وشعورًا باليقين والتفوق الأخلاقي
أما التنوير فهو الطريق الأصعب لأنه لا يمنح إجابات نهائية ولا يطلب من الإنسان أن يتوقف عن السؤال بل يدعوه إلى التفكير والنقد والمراجعة والاعتراف بإمكان الخطأ
ولهذا فإن التنوير ليس محطة تصل إليها المجتمعات ثم تستقر فيها إلى الأبد بل هو جهد مستمر يحتاج إلى حماية وتجديد ونقل من جيل إلى جيل
فالمجتمع الذي يتوقف عن الدفاع عن حرية العقل قد يجد نفسه في وقت ما أمام عودة الخوف والتعصب والأسطورة
والدرس الأهم من التاريخ هو أن التقدم الفكري ليس مضمونًا وأن المكتسبات الإنسانية يمكن أن تتراجع إذا لم تجد من يحميها
إن معركة الإنسان الحقيقية ليست مع الدين ولا مع التراث ولا مع الهوية بل مع إغلاق العقل وتحويل الأفكار إلى مقدسات تمنع السؤال وتحول الاختلاف إلى خصومة
فحين يصبح السؤال جريمة ويصبح النقد خيانة ويصبح المختلف عدوًا يبدأ الطريق نحو التراجع
وحين يصبح العقل قادرًا على السؤال والنقد والمراجعة ويصبح الاختلاف حقًا طبيعيًا تبدأ المجتمعات في بناء مستقبل أكثر قدرة على مواجهة أزماتها
إن التنوير لا يعني هدم الماضي ولا احتقار الموروث بل يعني امتلاك الشجاعة للنظر إليه بعين نقدية واستخلاص ما يمكن أن يخدم الإنسان في حاضره ومستقبله وترك ما لم يعد قادرًا على الإجابة عن أسئلة العصر
وفي النهاية يبقى الصراع بين العقل واليقين المغلق صراعًا متجددًا في تاريخ البشرية
وقد يتراجع التنوير في مرحلة لكنه لا يموت ما دام هناك إنسان يملك شجاعة السؤال وحق الاختلاف وإرادة البحث عن الحقيقة بعيدًا عن الخوف والتعصب



