التعليم في غزة تحت وطأة الحرب.. جيلٌ يتعلم وسط الركام
مدارس مدمرة وأطفال محرومون من التعليم، بينما تحاول المساحات التعليمية المؤقتة إبقاء الأمل حياً في ظل استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية.

التعليم في غزة تحت وطأة الحرب: جيل يحاول التعلّم وسط الركام
بقلم //حنان هاني الطول
بينما تستمر الحرب في قطاع غزة، يواجه مئات الآلاف من الأطفال واقعاً تعليمياً استثنائياً قسوةً، بعدما تحولت المدارس إلى مبانٍ مدمرة أو ملاجئ للنازحين، وأصبح الوصول إلى مكان آمن للتعلم تحدياً يومياً. ولم تعد الأزمة التعليمية تقتصر على فقدان الحصص الدراسية، بل امتدت إلى فقدان البيئة الآمنة التي يحتاجها الطفل للتعلم والنمو وبناء مستقبله.
وبحسب أحدث بيانات اليونيسف، فإن نحو 700 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عاماً فقدوا التعليم الحضوري الرسمي لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية، فيما تضرر نحو 98% من مباني المدارس، ويحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل كبيرة أو إعادة بناء كاملة. كما أن نحو 81% من المدارس تعرضت لضربات مباشرة وفق البيانات التي نشرتها اليونيسف في مايو/أيار 2026.
مدارس مدمرة ومساحات تعليمية مؤقتة
أدى الدمار الواسع إلى تقليص الأماكن التي يمكن للأطفال فيها تلقي التعليم بصورة آمنة. وتقول اليونيسف إن نحو 420 ألف طفل، أي ثلاثة من كل خمسة أطفال، لا يحصلون على أي تعلم وجاهي، في حين يحاول آخرون متابعة دراستهم داخل مراكز تعليمية مؤقتة أنشأتها المؤسسات الإنسانية.
وفي النصف الأول من عام 2026، تمكنت الجهات الإنسانية العاملة في قطاع التعليم من مساعدة نحو 435 ألف طفل في الوصول إلى تعلم منظم عبر 610 مساحات تعليم مؤقتة، إضافة إلى توزيع مواد تعليمية على نحو 344 ألف طفل. لكن هذه الجهود لا تزال محدودة أمام حجم الاحتياجات، في ظل نقص التمويل واستمرار انعدام الأمن.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن استمرار استخدام بعض المباني المدرسية كمراكز إيواء، إلى جانب نقص المساحات الآمنة والقيود المفروضة على دخول المستلزمات التعليمية، كلها عوامل تعرقل عودة التعليم إلى مساره الطبيعي. كما سجل قطاع التعليم 26 حادثة مرتبطة بالتعليم خلال عام 2026 حتى منتصف العام، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
رحلة إلى المدرسة محفوفة بالمخاطر
حتى عندما تتوفر مساحة للتعلم، فإن الوصول إليها ليس أمراً سهلاً. فالطرق والبنية التحتية تعرضت لدمار واسع، فيما تشكل مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة خطراً إضافياً على الأطفال والمعلمين.
وتقدر اليونيسف حجم الركام في القطاع بنحو 60 مليون طن، مع وجود مخاوف من اختباء ذخائر ومخلفات متفجرة داخله، ما يجعل حركة الأطفال بين مناطق النزوح ومراكز التعلم أكثر خطورة.
وفي أغسطس/آب 2026، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن الوضع الإنساني في غزة لا يزال حرجاً، في ظل استمرار النشاط العسكري وسقوط ضحايا مدنيين وتضرر البنية التحتية المدنية، بما فيها مرافق التعليم. كما تستمر عمليات تقييم مخاطر الذخائر غير المنفجرة في مختلف أنحاء القطاع.
أكثر من فقدان عام دراسي
لا تقتصر خسائر الحرب على المناهج والامتحانات. فغياب المدرسة يعني بالنسبة للأطفال فقدان الروتين اليومي، والتفاعل مع الأقران، والشعور بالأمان، إضافة إلى تراجع فرص اكتساب المهارات الأساسية.
وتشير دراسة لليونيسف حول أوضاع الأطفال في غزة إلى أن الأطفال في سن المدرسة يواجهون انقطاعاً طويلاً عن التعليم، وأن استمرار هذا الانقطاع يترك آثاراً بعيدة المدى على تطورهم ورفاههم وفرصهم المستقبلية.
كما تؤكد اليونسكو أن أزمة التعليم في غزة وصلت إلى مستوى شديد الخطورة؛ إذ تشير بياناتها لعام 2026 إلى تضرر أو تدمير نحو 97.5% من المدارس، وخروج أكثر من 637 ألف طفل من التعليم، إضافة إلى تأثر غالبية مؤسسات التعليم العالي في القطاع.
محاولات لإبقاء التعليم حياً
رغم الظروف القاسية، تستمر المؤسسات الإنسانية في محاولة توفير بدائل للتعليم الرسمي. فقد دعمت اليونيسف مئات آلاف الأطفال من خلال برنامج “العودة إلى التعلم”، بينما عملت مراكز التعلم المؤقتة على الجمع بين التعليم والدعم النفسي والاجتماعي والخدمات المتعلقة بحماية الطفل. وفي النصف الأول من 2026، وصل دعم اليونيسف إلى أكثر من 265 ألف طفل عبر 173 مركز تعلم في غزة.
لكن هذه المبادرات لا تستطيع أن تحل محل نظام تعليمي مستقر. فإعادة التعليم إلى طبيعته تحتاج إلى إعادة بناء المدارس، وتوفير الكتب والمستلزمات، وتأهيل المعلمين، وضمان وصول الأطفال بأمان، إلى جانب معالجة الآثار النفسية العميقة التي خلفتها الحرب.
جيل أمام مستقبل مجهول
في غزة، لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثير من الأطفال هو متى تبدأ السنة الدراسية، بل أين يمكن أن يتعلموا، وأين يجدون مكاناً آمناً، وما إذا كانت مدارسهم ستعود أصلاً.
ومع استمرار الحرب وتدمير البنية التعليمية، يواجه القطاع خطر فقدان سنوات إضافية من التعليم، وهو ما قد يترك آثاراً تمتد لسنوات طويلة بعد توقف القتال. وتقول الأمم المتحدة إن مستقبل جيل كامل من الشباب في غزة بات مهدداً بفعل تدمير المدارس والجامعات، وتعطّل التعليم، وفقدان الخدمات الأساسية وسبل العيش.
وبينما تحاول المبادرات الإنسانية إبقاء أبواب التعلم مفتوحة ولو داخل مساحات مؤقتة، يبقى الحل الحقيقي مرتبطاً بإنهاء العنف، وضمان حماية المدنيين والمنشآت التعليمية، وتهيئة الظروف التي تسمح للأطفال بالعودة إلى مدارس آمنة ومستقرة.
فالتعليم في غزة لم يعد مجرد خدمة أساسية تعطلت بسبب الحرب؛ بل أصبح أحد أهم ساحات المعركة من أجل الحفاظ على مستقبل جيل كامل.




