سياسة

القائد وبناء الأمة

هل تصنع الأمم المؤسسات أم الأفراد

القائد وبناء الأمة
بقلم خالد البنا

في علم السياسة والتاريخ المقارن تناقش نقطة تحت عنوان
هل تصنع الأمم المؤسسات أم الأفراد، وهي من أكثر القضايا جدلاً بين الباحثين.

يمكن تناولها بصورة بحثية محايدة كما يلي

القائد وبناء الأمة

بين صناعة المؤسسات وصناعة المجد الشخصي
مقدمة
شهد التاريخ الإنساني ظهور شخصيات استثنائية أثرت بعمق في مسار الأمم والشعوب. بعض هؤلاء القادة ارتبطت أسماؤهم ببناء مؤسسات قوية استمرت بعد رحيلهم، بينما ارتبط آخرون بأنظمة سياسية تمحورت حول شخصهم، فضعفت أو انهارت بعد غيابهم.
وتطرح هذه الظاهرة سؤالاً أساسياً
هل نهضة الأمم ترتبط بوجود قائد عظيم، أم بقدرته على بناء مؤسسات تستمر من بعده

أولاًالقائد المؤسس وبناء المؤسسات
يرى عدد من علماء السياسة أن القائد الناجح ليس من يحقق إنجازات في حياته فقط، بل من يؤسس نظاماً قادراً على الاستمرار بعد وفاته.
من الأمثلة التي تُطرح كثيراً
جورج واشنطن
يُنظر إليه في التاريخ الأمريكي بوصفه أحد الآباء المؤسسين.
أهمية واشنطن لم تكن عسكرية فقط، بل سياسية أيضاً.
فعندما انتهت ولايتاه الرئاسيتان رفض الاستمرار في الحكم رغم شعبيته الكبيرة، مما رسخ مبدأ تداول السلطة وأعطى الدستور أولوية على الفرد.
ولهذا استمرت الدولة الأمريكية بعده دون أن تعتمد على شخصه.

النبي محمد
في الرؤية التاريخية الإسلامية، لم يؤسس مجتمعاً دينياً فقط، بل أسس دولة ونظاماً سياسياً واجتماعياً.
ثم جاء أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب فعملا على بناء أجهزة الإدارة والمالية والقضاء، وهي مؤسسات استمرت عقوداً طويلة بعد وفاتهم.

جان جاك روسو وفولتير
لم يحكما فرنسا، لكن أفكارهما ساهمت في تشكيل المناخ الفكري الذي سبق الثورة الفرنسية .
ويعد هذا مثالاً على أن المفكرين قد يصنعون أفكاراً تغير مسار أمة كاملة دون أن يتولوا السلطة بأنفسهم.

ثانياً الدولة التي تتمحور حول الفرد
في المقابل، شهد القرن العشرون نماذج لدول ارتبطت بشخص الحاكم أكثر من ارتباطها بالمؤسسات.
في هذه النماذج يصبح:
الجيش مرتبطاً بالحاكم.
الحزب مرتبطاً بالحاكم.
الاقتصاد مرتبطاً بالحاكم.
الإعلام مرتبطاً بالحاكم.
وبالتالي يصعب استمرار النظام بنفس القوة بعد غياب ذلك الشخص.

معمر القذافي
حكم ليبيا أكثر من أربعة عقود.
يرى بعض الباحثين أنه ركز على السلطة الشخصية أكثر من بناء مؤسسات دولة مستقلة عنه.
وعندما سقط النظام عام 2011 ظهرت هشاشة مؤسسات الدولة ودخلت البلاد في صراعات طويلة.
في المقابل، يشير باحثون آخرون إلى أن التدخلات الخارجية والانقسامات القبلية ساهمت أيضاً في الأزمة، وليس العامل الشخصي وحده.

صدام حسين
ارتبطت الدولة العراقية في عهده بشخص الرئيس وحزب البعث والأجهزة الأمنية.
لكن من الصعب تفسير ما حدث للعراق بعد 2003 بعامل واحد فقط، إذ لعبت الحرب الخارجية وحل مؤسسات الدولة والصراعات الطائفية دوراً كبيراً كذلك.

حافظ الأسد
يُستشهد به كثيراً في النقاشات المتعلقة بتركيز السلطة في يد الحاكم وعائلته.
ويرى بعض الباحثين أن اعتماد الدولة على شبكات الولاء الشخصية جعل انتقال السلطة أكثر تعقيداً مقارنة بالدول ذات المؤسسات المستقلة.

ثالثاً هل الملكية والجمهورية تختلفان
من الناحية النظرية نعم.
فالملكية تقوم غالباً على مبدأ الوراثة.
أما الجمهورية فتقوم على الانتخاب وتداول السلطة.
لكن في الواقع العملي قد تقترب بعض الجمهوريات من النمط الوراثي إذا أصبحت السلطة مركزة في عائلة واحدة.
كما قد تطور بعض الملكيات الحديثة مؤسسات قوية تجعل إدارة الدولة أكثر استقراراً من بعض الجمهوريات.
لذلك لا يعتبر علماء السياسة أن الشكل الدستوري وحده هو المعيار.
المعيار الأهم هو
قوة المؤسسات.و استقلال القضاء. و تداول السلطة.و سيادة القانون.
رابعاً: قضية ولاية العهد في الملكيات
من الأمثلة المعروفة:
الملك حسين
قام قبل وفاته بتغيير ترتيب ولاية العهد، لينتقل العرش إلى ابنه عبدالله الثاني بدلاً من شقيقه الأمير الحسن بن طلال.
سلمان بن عبدالعزيز آل سعود
شهد عهده تعديلات في ترتيب ولاية العهد انتهت بتعيين ابنه محمد بن سلمان ولياً للعهد.
وهذه الإجراءات تقع ضمن صلاحيات الأنظمة الملكية نفسها، وإن كانت تثير نقاشاً سياسياً حول أثرها على توازنات السلطة داخل الدولة.
خامساً: ماذا يقول علم السياسة

هناك قاعدة شهيرة لدى العديد من الباحثين
الأمم القوية لا تُقاس بمدى قوة الحاكم، بل بقدرة الدولة على الاستمرار بعد رحيله.
فإذا مات القائد أو غادر السلطة واستمرت الدولة مستقرة، فهذا يدل غالباً على وجود مؤسسات قوية.
أما إذا دخلت الدولة في فراغ أو صراعات حادة بمجرد غياب الحاكم، فغالباً ما تكون المؤسسات أضعف من الشخص الذي كان يديرها.
الخلاصة
التاريخ لا ينقسم ببساطة إلى قادة أخيار وقادة أشرار
لكن يمكن ملاحظة فرق مهم بين نوعين من القيادة

1.قيادة تبني مؤسسات وقواعد تستمر بعد صاحبها.

2.قيادة تركز السلطة في شخص واحد بحيث يصبح مصير الدولة مرتبطاً بمصيره.

ولهذا يميل كثير من مؤرخي السياسة الحديثة إلى اعتبار أن الإنجاز الحقيقي للقائد لا يقاس فقط بما حققه أثناء حياته، بل بما بقي من مؤسسات وأفكار بعد رحيله.
خالد البنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى