
بقلم كاتب الصعيد
حسين أبوالمجد حسن
باحث في الشؤون الدولية والتاريخية
الجسد مات بالفعل وما نراه الآن ليس إلا رقصة الموت الأخيرة لورم خبيث قرر أن يبتلع المضيف قبل أن يلفظ أنفاسه بهذه السوداوية التي تقشعر لها الأبدان لم يتحدث عدو خارجي بل نطقت بها أعرق صحف الاحتلال هآرتس لتعلن في قراءة جنائزية صادمة أن إسرائيل التي عرفها العالم قد انتهت وأن شهادة وفاتها قد ك تبت بالفعل بحبر من سياسات بنيامين نتنياهو
في مقال وصفته الأوساط السياسية بأنه قنبلة نووية فكرية فجرت الكاتبة كارولينا لاندسمان الحقيقة المرة التي يخشى الجميع النطق بها نتنياهو لم يعد رئيسا للحكومة لقد أصبح هو الدولة وبما أن جسده السياسي بدأ بالتحلل فإن الدولة تتفكك معه في انصهار كارثي لا رجعة فيه
نبوءة الدولة هي أنا حين يصبح الزعيم هو الكفن
تؤكد لاندسمان أن نتنياهو نجح في فخ تاريخي لم يسبقه إليه أحد لقد صهر مؤسسات الكيان في بوصلة مصالحه الشخصية حتى انعدمت الحدود إسرائيل اليوم ليست مؤسسات أو ديمقراطية كما يدعون بل هي أطلال يسكنها رجل واحد
الخطر ليس في رحيل نتنياهو بل في الحقيقة المرعبة بأن رحيله يعني هدم المعبد على رؤوس الجميع لأنه لم يترك خلفه دولة صالحة للحياة
التفكيك الممنهج إنجازات فوق الركام
بلهجة يملؤها اليأس تعدد الكاتبة النجاحات الانتحارية التي حققها نتنياهو
تمزيق النسيج الاجتماعي حو ل الشوارع إلى ساحات حرب أهلية مؤجلة
تفكيك الجيش ضرب هيبة المقدس الصهيوني وحو له إلى أداة منقسمة على ذاتها
إرعاب القضاء شل أيدي القضاة حتى بات العدل أضحوكة في ممرات المحاكم
فخ الولاء القاتل صرخة في وجه المعارضة
في الجزء الأكثر جرأة تشن لاندسمان هجوما كاسحا على المعارضة الإسرائيلية وتعتبرهم المغفلين النافعين الذين يطيلون عمر النظام فبينما يظنون أنهم يحمون الدولة بخدمتهم في الجيش ودفعهم للضرائب هم في الحقيقة يغذون الورم الخبيث الذي يقتلها
وتؤكد الكاتبة أن محاولات استئصال نتنياهو لإنقاذ إسرائيل هي محاولات عبثية تماما كمن يحاول علاج أعضاء جسد تعفن قلبه وتوقف نبضه منذ زمن
العزلة الكبرى إسرائيل المنبوذة
تختتم هآرتس قراءتها بالتحذير من الحائط المسدود دوليا حيث تحولت إسرائيل في عهد نتنياهو إلى دولة منبوذة وأعادت سياساته بعث الوجه الحقيقي للمشروع الصهيوني القائم على القوة والعنف والهيمنة لتدفع المنطقة بأكملها نحو هاوية مفتوحة على احتمالات خطيرة تشبه مآسي التاريخ الكبرى
هل انتهت اللعبة
إن أخطر ما تواجهه إسرائيل اليوم ليس صواريخ الخارج بل شروخ الداخل فحين تتحول الدولة إلى رهينة لمصير رجل واحد تصبح كل مؤسساتها مهددة بالسقوط معه وما تكشفه الصحافة العبرية لم يعد مجرد خلاف سياسي بل خوف وجودي يتسلل إلى قلب النخبة الإسرائيلية نفسها
أما أولئك الذين راهنوا على بقاء هذا الكيان فوق كل تناقضاته فعليهم أن يقرأوا جيدا ما يكتبه الإسرائيليون بأيديهم الدول لا تسقط فقط بالحروب بل حين يأكلها الانقسام من الداخل ويغيب عنها ميزان العدالة والاتزان
لقد بدأت ملامح العزلة والاهتزاز تظهر بوضوح والتاريخ يعلمنا أن الكيانات التي تفقد بوصلتها الأخلاقية والسياسية قد تبدو قوية في الظاهر لكنها تكون قد دخلت بالفعل مرحلة التآكل البطيء
وربما كانت المفارقة الأكثر إثارة أن نبوءة الزوال هذه لم تعد ت كتب بأقلام خصوم إسرائيل بل بأقلام من داخل البيت الإسرائيلي نفسه هناك حيث تتسع الشروخ وتتآكل الثقة ويعلو صوت الخوف من مستقبل يراه كثيرون أكثر ظلاما من أي وقت مضى
رفعت الأقلام وجفت الصحف



