مقالات الرأي
أخر الأخبار

المجاعة الصامتة في غزة

ليس أخطر ما تتركه الحروب

المجاعة الصامتة في غزة… حين ينجو الناس من الحرب ولا ينجون من آثارها

بقلم اخصائية التغذية  : غادة جبريل

ليس أخطر ما تتركه الحروب هو الدمار الذي نراه، بل ذلك الذي يتسلل ببطء داخل أجساد الناس دون ضجيج.

في غزة، قد تتوقف أصوات القصف، لكن معركة أخرى تستمر بصمت: معركة الجوع الخفي وسوء التغذية.

بخبرتي في مجال التغذية ومتابعتي للواقع الغذائي في غزة، أرى أن ما يحدث اليوم لا يشبه المجاعة التقليدية التي ترتبط فقط بانعدام الطعام، بل هو ما يُعرف علميًا بـ “المجاعة الصامتة”؛ وهي حالة يحصل فيها الإنسان على ما يسد الجوع مؤقتًا، لكنه يفتقد العناصر الغذائية الأساسية التي تحفظ نموه وصحته ووظائف جسده.

خلال فترة الحرب، اضطر معظم سكان غزة للاعتماد على أطعمة محدودة شديدة الفقر الغذائي — غالبًا نشويات أو مساعدات طارئة — ومع مرور الوقت بدأ التأثير الحقيقي يظهر: أجساد أضعف، مناعة منهكة، وأطفال ينمون بأقل مما يفترض أن ينمو به الطفل الطبيعي.

من خلال متابعة ميدانية لحالات غذائية في مختلف مناطق غزة، لاحظت أن العديد من الأطفال الذين يبدون بصحة جيدة ظاهريًا، يعانون فعليًا من نقص الحديد والزنك وفيتامين A، ما يضعف مناعتهم ويؤثر على نموهم الذهني والجسدي، حتى مع توفر وجبات محدودة يوميًا.

الأرقام الصادرة عن المنظمات الدولية تكشف حجم المشكلة بوضوح. فقد حذّرت UNICEF وWorld Health Organization من أن أكثر من 320 ألف طفل في غزة — أي جميع الأطفال دون سن الخامسة تقريبًا — معرضون لخطر سوء التغذية الحاد، مع آلاف الحالات المصنفة كسوء تغذية شديد، وهو أخطر أشكال نقص التغذية وقد يهدد الحياة مباشرة.

وفي شمال غزة تحديدًا، أظهرت الفحوصات الغذائية أن طفلًا واحدًا من كل ثلاثة أطفال دون عمر السنتين يعاني من سوء تغذية حاد، وهي نسبة غير مسبوقة تعكس سرعة الانحدار الصحي بعد شهور طويلة من نقص الغذاء والرعاية الصحية

 

لكن المشكلة لا تتوقف عند الأطفال فقط. فالتقارير الصحية تشير إلى ارتفاع خطير في سوء التغذية بين الحوامل والمرضعات، ما يعني أن التأثير لن يقتصر على الجيل الحالي، بل قد يمتد لسنوات قادمة عبر أطفال يولدون بوزن منخفض أو بنمو غير مكتمل

وهنا تكمن خطورة “المجاعة الصامتة”:

فالإنسان قد يبدو ناجيًا… لكنه في الحقيقة يخسر صحته تدريجيًا.

اليوم، وبعد انحسار شدة الحرب نسبيًا، يعتقد كثيرون أن الأزمة انتهت، بينما الواقع الغذائي يقول العكس. فالجسم الذي عاش أشهرًا على نقص البروتين والفيتامينات والمعادن لا يتعافى بمجرد توفر الطعام. يحتاج الأمر إلى إعادة تأهيل غذائي طويلة، وإلى تنوع غذائي حقيقي، وليس فقط سد الجوع.

نرى ذلك يوميًا في أعراض أصبحت مألوفة بين الناس:

تعب دائم، ضعف التركيز، تساقط الشعر، فقر الدم، تأخر نمو الأطفال، وضعف المناعة وانتشار العدوى. هذه ليست تفاصيل صحية عابرة، بل مؤشرات واضحة على خلل غذائي واسع النطاق.

المجاعة في غزة اليوم لم تعد مشهدًا دراميًا فقط، بل حالة بيولوجية ممتدة داخل المجتمع. إنها أزمة غير مرئية بالقدر الكافي، لأنها لا تُقاس بعدد الوجبات فقط، بل بجودة ما تحتويه تلك الوجبات.

ومن هنا، فإن مرحلة ما بعد الحرب يجب ألا تُقاس بإعادة البناء العمراني وحده، بل بإعادة بناء صحة الإنسان. فإدخال الغذاء المتوازن، دعم برامج تغذية الأم والطفل، توفير المكملات الغذائية، وإعادة تشغيل خدمات التغذية العلاجية، كلها ليست رفاهية إنسانية بل ضرورة صحية عاجلة.

غزة اليوم لا تحتاج فقط إلى طعام…

 

 

بل إلى غذاء يعيد للحياة قدرتها على الاستمرار.

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى