من كتاب قل اللهم مالك الملك
3
تأليف خالد البنا
الفصل الأول أصل السلطة بين الأرض والسماء
الصفحة 2: السلطة كمنحة إلهية – تفسير الآية تفصيليًا
الآية التي نبدأ بها رحلتنا تقول:
“قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء بيدك الخير وأنت على كل شيء قدير”
لو تأملنا كل كلمة فيها، سنجد أن السلطة ليست مجرد حق بشري، ولا اتفاق اجتماعي، ولا حصيلة قوة عسكرية أو دهاء سياسي. إنها هبة إلهية، وهبة تأتي من مصدر عليّ لا يُقاس بالزمن أو المكان أو القوة البشرية.
“مالك الملك”:
في هذه الآية تتجلى الحقيقة الأولى: الملك والسلطة الحقيقية ليست للبشر، بل للذي خلق البشر وأعطاهم الحياة والنظام. من فهم هذه الحقيقة يدرك أن كل سلطة سياسية أو حكم على الأرض هو انعكاس للقدرة الإلهية، وأن أي محاولة لتملك القوة دون ضابط أو عدل هي عبث بلا معنى.
“تؤتي الملك من تشاء”:
الله يمنح السلطة لمن يشاء وفق حكمته المطلقة. لا علاقة لذلك بالثراء، أو بالنسب، أو بالقوة العسكرية وحدها. فهناك حكام عظماء لم يولدوا في عروش أو قلاع، لكنهم صعدوا بالحكمة والعدل والقدرة على خدمة الناس. والآية تدعونا للتأمل: ليست الإرادة البشرية هي المحدد للملك، بل إرادة الخالق.
“تنزع الملك ممن تشاء”:
كما يعطي الله، يزيح أيضًا. والذين يتصورون أن ملكهم أو سلطتهم أبدية، ينسون أن التاريخ مليء بمن أزالهم الله بحكمة، وأزال عنهم القلوب قبل العروش، أو أزاح عنهم سلطتهم عبر مجريات الأحداث الطبيعية والاجتماعية. السقوط ليس عارًا، بل هو تذكير بأن السلطة مسؤولية، وأن كل تجاوز للعدل أو للرحمة له حساب.
“بيدك الخير”:
الخير هو جوهر السلطة. السلطة بلا خير تصبح ظلمًا، وملك بلا عدل يصبح طاغية. والآية تربط القوة بالخير، فتجعل منه معيارًا للحكم الشرعي. القوة لا تُقاس بما يمتلكه الحاكم من موارد، بل بما يحققه للناس من استقرار وسعادة وعدالة.
“وأنت على كل شيء قدير”:
القدرة المطلقة ليست للبشر، بل لله وحده. وكل ملك أو حكم على الأرض محدود، مهما بدا عظيمًا. هذه الحقيقة تجعل الحاكم البشري متواضعًا أمام القانون الإلهي، وتجعل الشعب واعيًا بأن السلطة ليست ملكًا مطلقًا، وأن كل انتهاك للحق سيقابل بحكمة كونية في النهاية.
التأمل في هذه الآية يجعلنا ندرك أن السلطة لا تُمنح لمن يسعى إليها بلا وعي، بل تُعطى لمن يثبت أهليته في نظر الخالق. وأن أي استغلال للسلطة بلا عدل، أو بلا رحمة، ليس سوى عبث مؤقت، سيتلاشى كما تتلاشى آثار الأمواج على الرمال.
ومن هنا، تبدأ رحلة الفصل الأول في استكشاف أصل السلطة: كيف منحها الله للإنسان؟ كيف رفع حكامًا وأزال آخرين؟ وكيف يمكن للعدل والرحمة أن يكونا جوهر كل حكم ناجح ومستمر؟ سنتوقف عند أمثلة من التاريخ البشري القديم، من الحضارات الكبرى إلى العرب قبل الإسلام، لنرى كيف تتجسد هذه الحقيقة العميقة في الواقع.


