
بقلم كاتب الصعيد حسين ابوالمجد حسن
باحث في الشؤون الدولية والتاريخية
يكتب اللواء اشرف جمال حماد نصا مشحونا بالتصوير البلاغي والتوتر الدرامي يضع فيه القارئ داخل عنق القمع تلك الاستعارة التي تعد مفتاح القراءة حيث تتقلص الخيارات كلما تقدم الصراع حتى يبلغ لحظة الاختناق الاستراتيجي النص لا يكتفي بوصف واقع بل يسعى إلى خلق حالة شعورية تقنع المتلقي بأننا أمام لحظة حاسمة ترسم فيها خرائط القوة والنفوذ
أولا البنية السياسية سردية الحصار وتآكل الخيارات
مقال اللواء اشرف حماد ينطلق من فرضية مركزية أن صانع القرار الأمريكي ممثلا في ترامب بات محاصرا بين خيارين أحلاهما مر الاستمرار في التصعيد بما قد يفضي إلى حرب برية مكلفة سياسيا وبشريا أو التراجع بما يفقده هيبته ويظهره بمظهر المنكسر هنا يشتغل المقال على فكرة اللا خيار وهي من أكثر الأدوات تأثيرا في الخطاب السياسي إذ تصور القائد وكأنه في مأزق تاريخي لا يملك فيه رفاهية المناورة كما يحمل اللواء حماد الحلفاء خاصة داخل حلف الناتو وبعض دول الخليج مسؤولية التخلي ليعزز سردية العزلة الأمريكية وهي فكرة ذات أبعاد نفسية وسياسية تستخدم كثيرا في أدبيات الصراع لتقويض صورة القوة العظمى
ثانيا القراءة العسكرية بين الواقع والتضخيم
عسكريا يقدم المقال صورة لانتصار إيراني شبه مكتمل من خلال إسقاط طائرات متقدمة مثل اف خمسة وثلاثين واف ستة عشر وإعطاب حاملات طائرات وإفشال عمليات إنقاذ معقدة داخل العمق الإيراني هذه السردية إن قرئت بميزان التحليل العسكري البحت تطرح عدة ملاحظات التفوق الجوي الأمريكي ما زال بحسب المعايير المعروفة يمثل العمود الفقري للقوة الأمريكية وإسقاط هذا العدد من الطائرات المتقدمة يعد حدثا استثنائيا يتطلب دلائل موثقة واسعة حاملات الطائرات تعتبر من أكثر الأهداف تحصينا وتعقيدا في العالم وأي إصابة مباشرة لها تعد تصعيدا استراتيجيا كبيرا يتجاوز عادة حدود الاشتباك التقليدي الحرب البرية يشير المقال بدقة إلى أخطر مراحل الصراع حيث تتحول الكلفة من تقنية إلى بشرية وهو ما يقلق أي إدارة أمريكية بسبب حساسية الرأي العام تجاه الخسائر البشرية وبالتالي يمكن القول إن النص يمزج بين معطيات واقعية مثل خطورة الحرب البرية وحساسية الداخل الأمريكي ومبالغات أو سرديات غير مؤكدة تستخدم لتعزيز فكرة التفوق الإيراني الكامل
ثالثا البعد النفسي والإعلامي صناعة هيبة المقاومة
المقال ينجح في بناء صورة ذهنية لإيران كقوة صامدة لا تخشى اكتسبت خبرة قتالية وتحظى بالتفاف شعبي في مقابل صورة أمريكية مهزوزة استقالات قيادات تخوف من المواجهة البرية وعزلة دولية هذه الثنائية ليست مجرد وصف بل هي أداة حرب نفسية بامتياز تهدف إلى رفع معنويات طرف وتقويض ثقة الطرف الآخر وهي تقنية معروفة في أدبيات حروب الإدراك حيث لا يكون الهدف فقط كسب المعركة بل كسب الرواية
رابعا البعد الأدبي حين تتحول السياسة إلى ملحمة
من الناحية الأدبية يتكئ النص على الاستعارة المركزية القمع كرمز للاختناق والإسقاط التاريخي استدعاء شخصية ريتشارد قلب الأسد وربطها بخيانة الحلفاء والإيقاع التصاعدي من اتساع الخيارات إلى ضيقها حتى الانفجار هذا البناء يمنح المقال طابعا دراميا يجعل القارئ لا يقرأ تحليلا باردا بل يعيش مشهدا ملحميا تتصارع فيه الإرادات
خامسا الإشكالية الجوهرية النصر الضروري
أخطر ما يطرحه المقال هو فكرة أن ترامب لا يستطيع إنهاء الحرب دون تحقيق نصر وهنا نصل إلى قلب المعضلة الاستراتيجية الحرب لا يمكن إنهاؤها بلا مكسب واضح والمكسب يتطلب كلفة والكلفة قد تكون غير مقبولة داخليا وهذا ما يعرف في العلوم السياسية بفخ التصعيد حيث يصبح القائد أسيرا لقراراته السابقة
الخلاصة
مقال اللواء حماد ليس مجرد تحليل عسكري بل هو نص مركب يجمع بين السياسة عبر تصوير مأزق القرار الأمريكي والعسكرية عبر إبراز كلفة الحرب البرية وخطورة المواجهة والأدب عبر لغة رمزية مشحونة بالصور والاستعارات والحرب النفسية عبر تضخيم قوة طرف وإضعاف صورة الآخر لكنه رغم قوته الأسلوبية يحتاج إلى قراءة واعية تكشف ما بين السطور
وفي نهاية هذا التحليل يقف القلم شاهدا لا مجرد ناقل علي موهبه اللواء حماد في شرح المستجدات والخيارات والسيناريوهات المتاحه والمستقبليه في قضايا الشرق الاوسط والحرب الأمريكية الإيرانية
وهو هنا في هذا المقال
يرتقي بالكلمة من وصف الحدث إلى صناعة الوعي
ويحلق بالفكر فوق ضجيج المعارك إلى جوهر الحقيقة
حيث يصبح اللواء اشرف حماد صوتا لا ينكسر وحضورا لا يغيب في زمن الارتباك


