مقالات الرأي

كيف سيطرت بريطانيا على مصر بأقل عدد من الجنود في تاريخ الاحتلال

كيف سيطرت بريطانيا على مصر بأقل عدد من الجنود في تاريخ الاحتلال

بقلم: أيمن بحر
يرتبط الاحتلال البريطاني لمصر في أذهان كثيرين بصورة جيش ضخم ينتشر في المدن والقرى ويفرض سيطرته بالقوة لكن الحقيقة التاريخية تكشف أن بريطانيا نجحت في إحكام قبضتها على مصر بعدد محدود للغاية من الجنود وهو ما يجعل التجربة البريطانية واحدة من أبرز نماذج السيطرة السياسية في التاريخ الحديث
عقب هزيمة الثورة العرابية عام ألف وثمانمائة واثنين وثمانين دخلت القوات البريطانية مصر بنحو خمسين ألف جندي وتمكنت من إسقاط الجيش المصري وإحكام السيطرة على البلاد لكن هذا العدد لم يستمر طويلا إذ جرى تخفيضه خلال سنوات قليلة إلى نحو ثلاثة آلاف جندي فقط ولم يزد إلا بصورة محدودة خلال أزمة الخديوي عباس حلمي الثاني مع اللورد كرومر
ويطرح هذا الواقع سؤالا مهما كيف تمكنت قوة بهذا الحجم من فرض سيطرتها على دولة تجاوز عدد سكانها آنذاك ثمانية ملايين ونصف المليون نسمة
الإجابة تكمن في أن بريطانيا لم تعتمد على القوة العسكرية وحدها بل بنت نظاما سياسيا وإداريا يجعلها صاحبة القرار الحقيقي من دون أن تظهر أمام المصريين والعالم باعتبارها الحاكم المباشر
ومنذ الأيام الأولى للاحتلال أوفدت بريطانيا اللورد دوفرين إلى مصر لوضع تصور لإدارة البلاد وقد قدم في السادس من فبراير عام ألف وثمانمائة وثلاثة وثمانين تقريرا أصبح المرجع الأساسي للسياسة البريطانية طوال سنوات الاحتلال
ورأى دوفرين أن الاحتلال العسكري المباشر سيؤدي إلى مقاومة دائمة وسيكلف بريطانيا أعباء سياسية واقتصادية كبيرة لذلك اقترح إنشاء نظام تبدو مؤسساته مصرية بينما تبقى قراراته خاضعة للإرادة البريطانية
وبموجب هذه السياسة بقي الخديوي على رأس الدولة واستمرت الوزارات والمحاكم والدواوين في أداء أعمالها كما ظلت المؤسسات النيابية قائمة لتمنح النظام مظهرا من الشرعية والاستقلال
لكن خلف هذه الواجهة كانت السلطة الحقيقية في يد المعتمد البريطاني ومستشاريه الذين حملوا لقب مقدمي النصح بينما كانت توجيهاتهم في الواقع أوامر واجبة التنفيذ ومن يرفضها كان يخرج من منصبه ليحل محله من يلتزم بالسياسة البريطانية
كما عملت بريطانيا على إعادة تشكيل الجهاز الإداري للدولة فأبعدت عددا من كبار المسؤولين من أصول تركية وشركسية ودفعت بشخصيات مصرية إلى مواقع مهمة في القضاء والري والداخلية والجيش وهو ما منح المواطنين انطباعا بأن إدارة البلاد أصبحت مصرية رغم أن القرار النهائي ظل يصدر من سلطات الاحتلال
وقد وصف نوبار باشا الحكومة المصرية في تلك المرحلة بأنها أصبحت مجرد جهاز للتنفيذ بينما بقي التخطيط وصنع القرار الحقيقي في يد الإدارة البريطانية
ومن خلال هذا الأسلوب تمكنت بريطانيا من استخدام مؤسسات الدولة المصرية نفسها لتحقيق أهدافها فلم تعد بحاجة إلى نشر عشرات الآلاف من الجنود لأن الجيش والشرطة والإدارة والمالية كانت جميعها تعمل داخل منظومة صممت لخدمة الاحتلال
ولم يتعرض هذا النظام لاختبار حقيقي إلا عندما حاول الخديوي عباس حلمي الثاني تقليص النفوذ البريطاني لكن الهيكل الذي وضعته بريطانيا ظل قائما واستمر لعقود طويلة
كما أن التاريخ يؤكد أن المصريين لم يكتفوا بالمظاهرات والاحتجاجات بل شهدت البلاد عمليات مقاومة مسلحة وجماعات سرية استهدفت القوات البريطانية غير أن الاحتلال استطاع الحد من تحول هذه العمليات إلى مواجهة شاملة بفضل سيطرته على مفاصل الدولة وأجهزتها
لقد أثبتت التجربة البريطانية في مصر أن السيطرة على مؤسسات الحكم قد تكون أكثر فاعلية من السيطرة بالسلاح وأن النفوذ الحقيقي لا يقاس دائما بعدد الجنود المنتشرين في الميدان بل بالقدرة على توجيه القرار السياسي والإداري
ولهذا لم يكن سر بقاء بريطانيا في مصر قوة جيشها وإنما نجاحها في بناء نظام جعل الحكم يبدو مصريا بينما بقي القرار الحقيقي في يد الاحتلال وهو ما مكنها من السيطرة على مصر بأقل عدد من الجنود في تاريخها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى