مقالات الرأي

فى معيه الرؤيه الالهيه حين تتسع عين السماء وتضيق الارض

بقلم حسين أبو المجد حسن
كاتب الصعيد
قلم رصاص يقول لك عزيزي القارئ
هل شعرت يوماً أن الكلمات تضيق عن وصف ما في قلبك وأنك تقف وحيداً في زحام الكون لا أحد يفهم عمق وجعك
في تلك اللحظة تحديداً حين ينفض الجميع من حولك وتغلق الأبواب تذكر أن هناك عيناً لا تنام ترقب تفاصيل انكسارك وتسمع ضجيج الصمت في صدرك إنها ليست مجرد رؤية بل هي احتضان إلهي لكل ذرة ألم تخفيها عن عيون البشر
وحين نتأمل هذه الفكرة العميقة ندرك أن الرؤية الإلهية ليست مجرد إدراك بصري مجرد أو معاينة عابرة بل هي إحاطة شاملة بالظاهر والباطن علم أزلي يحيط بالسر والعلن بالهمس والصمت وبكل تلك النبضات الوجلة والآلام الدفينة التي لا يجرؤ القلب أن يبوح بها حتى لنفسه
إنها ليست مراقبة عاديه بل هي رؤية مشفوعة بالرحمة الواسعة محفوفة بالعلم المحيط ومحكومة بالعدل المطلق الذي لا يغفل ولا ينام ابدا رحمن الدنيا ورحميهما
وفي هذا المقام تجد الروح ملاذها الآمن فتهتف معبرة عن هذا الأمان
وإذا العناية لاحظتك عيونها
نم فالمخاوف كلهن أمان
الله يرى ما لا يراه البشر
إن هذا البلسم الروحي وهذه الرحمة الإلهية تخترق تفاصيل الشجن الإنساني بدقة بالغة فالله سبحانه وتعالى يرى
وهي كلمات لو استقرت في سويداء القلب لشفته من كل علله
فهو يرى ما يختفي خلف تلك الابتسامة المتعبة التي تتجمل بها أمام البشر لتخفي وراءها كبرياء جرحك
ويرى ما يثقل صدرك ويجثم على أنفاسك حين تلتفت حولك فلا تجد من يفهم لغتك أو يشعر بصدق نيتك في زمن عز فيه الإنصاف
وفي ميزان الحكمة الإلهية تكتب التفاصيل الدقيقة التي يسقطها البشر من حساباتهم
فالجهد الذي لم يكافأ يراه الله ويدخر لك ثمرته في الوقت المقدر والمكان الأنسب
والدمعة التي لم تلاحظ يراها الله وهي عنده غالية يغسل بها وعثاء السفر في دروب الدنيا
والنية الصافية التي لم تقدر يعلمها الله
وحسبك في هذه الحياة أن يقال يعلم الله
تلك الرؤية الربانية هي الضمان الأزلي والوثيقة الخالدة بأن شيئاً في هذا الوجود لا يضيع سدى وأن كل غصة ألم وكل دقيقة صبر مريرة وكل محاولة نهوض عاثرة لها وزن وقيمة ومعنى في غيب الحكمة الإلهية
وكما قال الشاعر في بث شكواه إلى الخالق دون سواه
إليك رفعت كفي يا رجائي
ومن لي غير بابك أرتجيه
ترى حالي وتعلم كل سري
وما في الصدر من ألم أقاسيه
حين يولد اليقين من رحم السكينة
ومن عمق هذه الحقيقة الجلية ينبثق في النفس ينبوع من السكينة لا ينضب ويولد اطمئنان يزلزل أركان اليأس
فحين توقن أنك تحت نظر الله وبصره تنمحي من قاموسك مخاوف الفقد والخذلان
وتتحرر من أغلال الخلق إلى سعة الخالق
وتعلم يقيناً أن ظلمك أحد لا ينسى الله ذلك وإن طال أمد الظلم لك واشتد ليله فإن عين الله تراقب ولن يضيع حق وراءه ديان لا يموت
وأن الدعاء لا يهمل وإن تأخرت الإجابة شهوراً أو سنوات فإن الله يربي أمانيك ويصنع الفرج لك على عينه بحكمة بالغة تفرح قلبك
وأن الحزن لا يترك بلا عزاء فما من مساحة ضيق يمر بها العبد إلا ويعقبها اتساع وجبر ينسي مرارة الصبر
إن الله جل وعلا لا يراك ليرقب عجزك وانكسارك فحسب بل يراك ليعطيك سؤلك ليعوضك عما فقدت في دروب السعي وليقترب منك بألطافه الخفية أكثر مما تظن وتتوقع
كم لله من لطف خفى
يدق خفاه عن فهم الذكى
وإن أعظم ثمار هذه الرؤية الشاملة أنها تكسر عن عاتقك أغلال الحاجة إلى اعتراف الناس بك وتحررك من انتظار تقديرهم أو التماس ثنائهم
فيكفي القلوب المتعبة أن الله يعلم
ويكفي الأرواح الوجلة أن الله يرحم
ويغنيها هذا الإدراك عن كل بهارج الدنيا
مستحضرة قول القائل
فليتك تحلو والحياة مريرة
وليتك ترضى والأنام غضاب
إذا صح منك الود فالكل هين
وكل الذي فوق التراب تراب
في رعاية الله لا يضيع أحد
حين تترسخ هذه العقيدة في الوجدان يتحول الضعف البشري إلى قوة هائلة لا تقهر
ويصبح الصبر زاداً عذباً
وتغدو السكينة جائزة فورية تملأ جوانب الصدر بريقاً وصفاءً
ويصبح اليقين عندئذ نوراً ساطعاً يبدد عتمة الحيرة ويهزم ظلمات الشك والقلق من الغد المتخفي وراء حجب الغيب
فنم قرير العين يا من أنهكتك تفاصيل السعي
وانفض عن قلبك غبار التردد والخوف
فما دمت تسير في هذه الدنيا وتحت سقف قضائها فلست وحدك ولن تضيع
نم مستنداً بقلبك إلى ركن شديد لا يمل ولا يغفل
ودع المقادير تجري في أعنتها
واعلم أن غداً يحمل لك من الجبر والاتساع ما يعجز عقلك عن تخيله
اهدأ واطمئن
وتنفس الصعداء بقوة الصابرين
ويكفيك فخراً وراحة أنك في كل طرفة عين في رعاية الله وفي أمان رحمته وفي علمه المحيط الذي لا يغيب أبداً
ولتكن مقولة الروح الحالمة آخر ما نختم به المقام لتبقى نغماً عبقاً يسكن الوجدان ويهدهد التعب
ولطفت بي حين انزويت معاتباً
نفسي وأنت لكل نفس تعلم
فجبرت خاطر من أتاك مسلماً
إذ حسبه أن الرحيم يرمم
ورأيت حالي يا مليك سريرتي
فمحوت أوجاعاً وأنت الأكرم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى