الأسرة والمجتمع

ابن النيل

ابن النيل قبل ابن الطائفة

ابن النيل قبل أن يكون ابن الطائفة
بقلم خالد البنا

الإنسان يولد بقدرات أولية، ثم تشكله البيئة والثقافة. هذا ما ناقشه عالم الاجتماع إميل دوركايم حين رأى أن المجتمع يصنع الضمير الجمعي وما وسّعه لاحقًا بيير بوردو في مفهوم الهابيتوس أي أن الإنسان يرث أنماط التفكير والسلوك من بيئته.

و الدراسات الحديثة في علم النفس التطوري تشير إلى وجود بذور أولية للتعاطف والعدل عند الأطفال، قبل أن تتدخل الثقافة لصقلها أو تشويهها.

حين يولد الطفل، لا يسأل عن دينه، ولا يعرف اسم قبيلته، ولا يميز بين مسجد وكنيسة، ولا يحمل في قلبه كراهية لأحد. يخرج إلى الدنيا مجرد إنسان؛ عارياً من الأفكار، خالياً من الأحقاد، مستعداً لأن يتعلم الحب كما يمكن أن يتعلم الكراهية.

ثم تبدأ الرحلة.

الأب يضع أول حجر، والأم تضع الثاني، والمجتمع يبني الجدران، والمدرسة ترفع السقف، والخطاب الديني والسياسي يلون النوافذ. وهكذا يتشكل الإنسان، لا كما ولد، بل كما أراده محيطه.

فإن كان المحيط واسعاً، صار الإنسان واسعاً. وإن كان ضيقاً، ضاق صدره بالعالم.

هذه ليست حكمة أدبية فقط، بل حقيقة أثبتها علم الاجتماع الحديث: أن الهوية ليست قدراً خالصاً، بل بناء تاريخي وثقافي طويل.

لقد عاشت أمم كثيرة قروناً في الحروب المذهبية، كما عاشت أوروبا في عصورها المظلمة حين كانت الكنيسة والإقطاع والدم يسيطرون على العقل. ثم جاءت لحظة فاصلة، حين أدركت أن الدولة لا تبنى على الطائفة، بل على المواطن.

هناك بدأ التحول.

صار الفرنسي فرنسياً قبل أن يكون كاثوليكياً أو بروتستانتياً. وصار الألماني ألمانياً قبل مذهبه. وصار القانون فوق الجميع.

أما نحن، فما زلنا في كثير من الأحيان نقدّم الطائفة على الوطن، والعشيرة على الدولة، والولاء للشخص على الولاء للمؤسسة.

وحين يغيب القانون، تحضر البنادق.

انظروا إلى ، وإلى ، وإلى ، وإلى ؛ كيف تحولت الأرض إلى خرائط من الدم لأن كرسي الحكم صار أغلى من الإنسان.

مئات الآلاف ماتوا، لا لأنهم أعداء، بل لأنهم أبناء الوطن نفسه.

وهنا المأساة الكبرى.

نحن نستنكر قتل العدو لنا، وهذا حق، لكننا ننسى أن تاريخنا الحديث حافل بقتل الأخ لأخيه، والمسلم للمسلم، وابن الوطن لابن وطنه.

فكيف نبني مستقبلاً بلا مراجعة

إن الديمقراطية ليست صندوق انتخابات فقط، بل ثقافة قبول الآخر، واحترام تداول السلطة، والاعتراف بأن الوطن يتسع للجميع.

العدالة ليست شعاراً، بل نظاماً يضمن ألا يظلم أحد.

والمساواة ليست قصيدة، بل قانوناً يحمي الضعيف قبل القوي.

إن مصر لم تُخلق للمسلمين وحدهم ولا للمسيحيين وحدهم؛ مصر خُلقت للمصريين.

ابن النيل ليس مشروع طائفة، بل مشروع حضارة.

إذا أردنا نهضة حقيقية، فعلينا أن نعيد تشكيل العقل قبل أن نعيد بناء الحجر.

فالأمم لا تسقط حين تهزم عسكرياً فقط، بل حين تعجز عن إنتاج فكرة حديثة للعيش المشترك.

والفكرة الحديثة تبدأ من سؤال بسيط

هل نريد أن نكون رعايا لجماعات، أم مواطنين في دولة

ذلك هو السؤال الذي سيحدد إن كنا سندخل القرن الحادي والعشرين حقاً، أم نظل نحمل أجساداً حديثة بعقول من العصور الوسطى.

مشكلتنا …

ليست في الدين ذاته، بل في توظيفه داخل بنية سياسية وقبلية مغلقة، تمنع تطور مفهوم المواطنة الحديثة. وهذا فرق جوهري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى