
ادرس عدوك 11
كامب ديفيد والقضية الفلسطينية:
هل ضاعت فرصة تاريخية أم أن الفرصة لم تكن مكتملة أصلًا
بقلم خالد البنا
هذا موضوع يناقشه المؤرخون والباحثون منذ عقود، لكنه من القضايا التي لا يوجد حولها إجماع. فهناك مدرسة ترى أن أواخر السبعينيات كانت فرصة سياسية مهمة للفلسطينيين، بينما ترى مدرسة أخرى أن ما كان مطروحًا آنذاك لم يكن يرقى إلى دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة. والبحث التاريخي المنصف يقتضي عرض الرأيين معًا.
من بين الأسئلة التي ما زالت تطارد تاريخ الشرق الأوسط سؤال شديد الحساسية:
هل أضاع الفلسطينيون فرصة تاريخية حقيقية عندما رفضوا الانخراط في المسار الذي بدأه الرئيس أنور السادات بعد زيارته للقدس واتفاقيات كامب ديفيد
إن الإجابة ليست سهلة، لأننا نتحدث عن لحظة كان يختلط فيها الأمل بالخوف، والحساب السياسي بالذاكرة التاريخية، والواقعية الوطنية بالشكوك العميقة.
1.السادات ورؤية السلام الشامل
عندما وقف الرئيس المصري في الكنيست الإسرائيلي عام 1977 لم يتحدث عن سيناء فقط.
بل أكد في أكثر من موضع أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يكتمل دون حل القضية الفلسطينية.
وكانت رؤيته تقوم على أن إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي يحتاج إلى تسوية شاملة تشمل الفلسطينيين والعرب والإسرائيليين معًا.
ومن هنا رأى السادات أن استعادة الأرض المصرية يمكن أن تكون مدخلًا لمسار أوسع يفتح الباب أمام تسوية القضية الفلسطينية.
2.المناخ الدولي في أواخر السبعينيات
يقول أصحاب نظرية الفرصة الضائعة إن الظروف الدولية آنذاك كانت استثنائية.
فالعالم كان لا يزال يعيش في ظل الحرب الباردة.
وكان قوة عظمى تدعم العديد من الحركات والقضايا العربية.
وفي الولايات المتحدة كان الرئيس من أكثر الرؤساء الأمريكيين اهتمامًا بقضايا التسوية السلمية وحقوق الفلسطينيين مقارنة بكثير من الرؤساء الذين جاؤوا بعده.
كما أن المجتمع الدولي كان ينظر بإيجابية إلى فكرة الحل السياسي للصراع.
ومن ثم يرى هؤلاء الباحثون أن ميزان القوى الدبلوماسي كان أكثر ملاءمة مما أصبح عليه في العقود اللاحقة.
3.لماذا رفض الفلسطينيون
لكن الصورة لم تكن بهذه البساطة.
فكثير من القيادات الفلسطينية والعربية لم تنظر إلى كامب ديفيد باعتبارها بوابة لدولة فلسطينية مستقلة.
بل رأت أن الاتفاق ركز أساسًا على السلام المصري الإسرائيلي، بينما ترك مستقبل الفلسطينيين غامضًا.
وكان هناك خوف حقيقي لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين من أن يؤدي المسار الجديد إلى إخراج مصر من الصراع دون الحصول على ضمانات كافية للحقوق الفلسطينية.
كما أن منظمة كانت ترى نفسها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، ولم تكن طرفًا مباشرًا في المفاوضات.
وهذا جعل كثيرين ينظرون إلى الاتفاق بعين الريبة.
4.ماذا كان مطروحًا للفلسطينيين
هنا يكمن جوهر الخلاف التاريخي.
فأنصار نظرية الفرصة الضائعة يقولون إن الفلسطينيين كان بإمكانهم استثمار بند الحكم الذاتي الوارد في الاتفاقات والبناء عليه تدريجيًا حتى الوصول إلى دولة مستقلة.
ويشيرون إلى أن السياسة كثيرًا ما تتقدم خطوة خطوة، لا دفعة واحدة.
أما المعارضون فيقولون إن الحكم الذاتي ليس دولة مستقلة، وإن القضايا الأساسية مثل السيادة الكاملة والقدس واللاجئين والحدود لم تكن محل حسم واضح.
ولذلك اعتبروا أن القبول بالصيغة المطروحة آنذاك كان ينطوي على مخاطر كبيرة.
5.ماذا حدث بعد ذلك
هنا يدخل التاريخ بحكمه القاسي.
فبعد أكثر من أربعة عقود لا تزال الدولة الفلسطينية المستقلة محل نزاع.
وتغير العالم بصورة جذرية.اانهيار الاتحاد السوفيتي وتبدلت موازين القوى الدولية.
وتوسعت المستوطنات في الضفة الغربية.
وتعرض النظام العربي لتحولات كبرى.
وظهرت انقسامات فلسطينية داخلية عميقة.
ولهذا ينظر بعض الباحثين اليوم إلى أواخر السبعينيات باعتبارها فترة كانت تملك فرصًا سياسية ربما كانت أكبر مما هو متاح لاحقًا.
لكن هذا لا يعني أن نتائج تلك الفرص كانت مضمونة أو مؤكدة.
6.بين التاريخ والافتراض
تكمن المشكلة في أن المؤرخ يستطيع أن يدرس ما حدث، لكنه لا يستطيع أن يثبت يقينًا ما كان سيحدث لو اتخذ قرار مختلف.
فلا أحد يعرف على وجه الدقة كيف كان سيتطور المسار الفلسطيني لو تم قبول رؤية السادات أو التفاعل معها بطريقة مختلفة.
ولهذا يبقى الحديث عن الفرصة الضائعة أقرب إلى تحليل تاريخي منه إلى حقيقة نهائية.
خاتمة
ربما كان السادات يرى أنه يفتح بابًا يمكن للعرب والفلسطينيين أن يعبروا منه نحو تسوية أوسع.
وربما كان الفلسطينيون يرون أن الباب نفسه لا يؤدي إلى الهدف الذي يسعون إليه.
وبين الرؤيتين واصل التاريخ مساره.
لكن المؤكد أن القضية الفلسطينية دفعت ثمنًا باهظًا لتراكم الفرص الضائعة والانقسامات والحروب والتغيرات الدولية.
ولعل الدرس الأهم
الذي يقدمه التاريخ هو أن الفرص السياسية لا تُقاس فقط بما تحتويه من مكاسب، بل أيضًا بما تحمله من مخاطر، وأن الأمم كثيرًا ما تكتشف قيمة بعض اللحظات بعد أن تصبح جزءًا من الماضي.
هذا الطرح يعرض إحدى المدارس التفسيرية المهمة في قراءة تاريخ القضية الفلسطينية، مع الإشارة إلى أن الباحثين ما زالوا مختلفين حول ما إذا كانت كامب ديفيد تمثل بالفعل فرصة تاريخية ضائعة للدولة الفلسطينية أم أنها لم تكن تقدم في الأصل ما يكفي لتحقيق تلك الدولة.



