
بقلم اللواء سامى دنيا
من أعظم ما يلفت انتباه المتدبر في
كتاب الله أن الآيات المتشابهة في
ألفاظها قد تختلف في خاتمتها، فتفتح
أمام القلوب أبوابًا واسعة من الفهم
والتأمل.
يقول الله تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ
الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾
ويقول سبحانه:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ
لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
الآيتان تتحدثان عن حقيقة واحدة؛
وهي أن نعم الله على عباده فوق الحصر
والعد، وأن الإنسان مهما حاول إحصاء
فضل الله عليه فلن يستطيع، لأن أنفاسه
نعمة، وصحته نعمة، وأمنه نعمة، وأهله
نعمة، وهدايته نعمة، بل إن كل لحظة
يعيشها هي غارقة في بحر من النعم التي
لا تنتهي.
لكن التأمل العجيب يكمن في اختلاف
الخاتمتين.
ففي الآية الأولى جاء الحديث عن
موقف الإنسان من هذه النعم، فجاءت
الخاتمة كاشفة لطبيعة النفس البشرية
حين تغفل عن شكر المنعم:
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾
يظلم نفسه بالمعاصي، ويقصر في حق
ربه، وينسى كثيرًا من النعم التي تحيط
به، بل وقد يتذمر من نقص شيء يسير
وينسى آلاف النعم التي بين يديه.
أما الآية الثانية فجاءت لتحدثنا عن
معاملة الله لعباده، فجاءت الخاتمة
مفعمة بالرحمة والأمل:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
فإذا كان العبد كثير التقصير، فإن الله
واسع المغفرة.
وإذا كان العبد كثير النسيان، فإن الله
كثير الإحسان.
وإذا ضعف شكر الإنسان، فإن رحمة الله
أعظم من ضعفه، وكرمه أكبر من
تقصيره.
إنها مقارنة تهز القلب:
الإنسان يخطئ، والله يغفر.
الإنسان يقصر، والله يستر.
الإنسان ينسى النعمة، والله يواصل
العطاء.
فما أعظم ربًا يعامل عباده بالرحمة
رغم تقصيرهم، وما أجهل عبدًا يغفل عن
شكر من أغدق عليه النعم صباح مساء.
لذلك فإن المؤمن الحق لا ينظر فقط
إلى كثرة النعم، بل ينظر أيضًا إلى عظيم
رحمة المنعم، فيمتلئ قلبه حبًا لله
وشكرًا له وحياءً منه.
فلنكثر من الحمد، ولنردد دائمًا:
“اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من
خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك
الحمد ولك الشكر.”
وطابت حياتكم بنعم الله، وأشرقت
بذكره وكرمه ونوره العظيم.، وامتلأت قلوبكم برحمته، وجعلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين الحامدين في السراء والضراء
ما أجمل هذه اللفتة القرآنية البديعة؛
فحين ذُكر الإنسان جاءت صفاته من ظلم
وكفران، وحين ذُكر الله جاءت صفاته من
مغفرة ورحمة. وكأن الرسالة الخالدة
تقول: مهما بلغ تقصير العبد، فإن باب
رحمة الله أوسع، ومهما عظمت
الذنوب، فإن عفو الله أعظم. فالحمد لله
على نعمه التي لا تُحصى، والحمد لله على
رحمته التي لا تنقضي
وصلّوا على الحبيب المصطفى ﷺ
بحبكم في الله…
لولء سامي دنيا



