مابين الدكتور ضياء العوضى والدكتور حسين منصور اتحدث خبيرا في التغذية

بقلم الخبير الغذائى
د. اسامه عباس
“بعد أكثر من 34 عامًا بين المزارع والمجازر والفنادق والرقابة و والتدريب في دول أوروبية والدكتوراه في سلامة الغذاء وتدريب الآلاف من متداولي الغذاء بالفنادق والمطاعم والمصانع… هذه شهادة مهنية أقولها للتاريخ وليس لإثارة الجدل.”:
“هذا ليس دفاعًا عن أحد… وليس هجومًا على أحد… بل شهادة خبير عمل داخل المنظومة لسنوات طويلة.”
فمنذ عشرة أعوام تقريبًا، وتحديدًا عام 2016، كنت أشغل منصب مدير مراقبة الجودة الصحية والبيئية والتدريب بقطاع الرقابة على الفنادق بوزارة السياحة وعلى درجة مدير عام منذ عام 2013(وأنا الآن في أجازة بدون مرتب من تلك الوظيفة لأمانة العرض)، حين وصلت إلينا مسودة قانون إنشاء هيئة سلامة الغذاء من الدكتور حسين منصور رئيس الهيئة حينئذ لمراجعتها وإبداء الرأي فيها قبل صدورها والعرض بأي مقترحات أو تعديلات للتجويد.
في ذلك الوقت أحال لي رئيس القطاع المسودة لدراستها وإبداء الملاحظات الفنية عليها.
وأثناء المراجعة، توقفت طويلًا أمام ثلاثة نقاط رأيت أنها تمس جوهر منظومة سلامة الغذاء نفسها، وليس مجرد تفاصيل قانونية.
واليوم، وبعد مرور سنوات من التطبيق، ومع الجدل الواسع الذي أثاره دكتور ضياء العوضي بشأن ما يسمى بنظام “الطيبات”، وجدت نفسي مضطرًا للكلام، ليس كصاحب رأي عابر، بل كطبيب بيطري مارس العمل بالمزارع والمجازر والرقابة والتدريب والفنادق وخبير بجودة وسلامة سلامة الغذاء لسنوات طويلة.
أولًا: أين تبدأ سلامة الغذاء؟
لقد تعلمنا جميعًا عبارة شهيرة:
From farm gate to consumer plate “سلامة الغذاء من المزرعة إلى المائدة”
لكن عندما قرأت تعريف الغذاء في مسودة القانون وجدت أن النباتات قبل الحصاد، والحيوانات الحية قبل دخول المجازر، والأسماك قبل صيدها، كلها مستثناة من نطاق التعريف.
وهنا سألت نفسي:
إذا لم تبدأ الرقابة من المزرعة… فمن أين تبدأ إذن؟
وقد قصها دكتور حسين منصور من قانون امريكا ولصقها بالقانون المصري رغم الاختلاف الشاسع بين نظم البلدين حيث يوجد بأمريكا وزارة زراعة مسئولة عن الرقابة على نصف السلسلة الغذائية من المزارع للمصانع ثم تكملها هيئة الغذاء والدواء الامريكية لتستكمل الرقابة من المصانع للمستهلك وهو ما لا ينطبق لدينا في مصر
اسمحوا لي أن أبسط الفكرة.
إذا أصيبت مزرعة دواجن بمرض بكتيري، فقد يستخدم المربي مضادًا حيويًا لعلاج القطيع.
هذا في حد ذاته ليس خطأ.
الخطأ الحقيقي يحدث عندما يذبح الطائر أو يباع قبل انتهاء ما يسمى “فترة السحب”.
وما هي فترة السحب؟
هي المدة الزمنية اللازمة بعد إعطاء الدواء حتى يتخلص جسم الحيوان أو الطائر من بقاياه الدوائية لتصل إلى مستويات آمنة للاستهلاك الآدمي.
بمعنى أبسط:
إذا أعطيت الطائر أو الحيوان دواءً اليوم، فهذا لا يعني أن لحمه أو بيضه أو لبنه أصبح صالحًا غدًا.
بعض الأدوية تحتاج أيامًا.
وبعضها يحتاج أسابيع.
وبعض الألبان الناتجة أثناء العلاج يجب التخلص منها تمامًا.
لكن السؤال:
من الذي يتحقق عمليًا من ذلك داخل آلاف المزارع؟ فلا توجد رقابة على هذا الجزء المهم من السلسلة الغذائية ولا تحليلات ولا عينات تسحب للمعامل للتحقق من ذلك
الأمر نفسه ينطبق على الخضروات والفاكهة.
فالمبيد الزراعي له أيضًا ما يسمى “فترة ما قبل الحصاد” وهي المدة اللازمة بين آخر استخدام للمبيد وبين جمع المحصول.
فإذا تم الحصاد مبكرًا قد تصل متبقيات المبيدات إلى المستهلك فليس هناك ايضا من يراقب على المحاصيل اثناء الحصاد
وتتسرب هذه المنتجات المشكوك في سلامتها الى الأسواق العشوائية التي لا تراقبها الهيئة الموقرة ولا من سواها من وزارة الصحة مثلا وحتى لو راقبتها جهات بيطرية فيعتمدون على الفحص الظاهري دونما تحاليل معملية وهذا هو الأهم.
أما في الاستزراع السمكي فالقصة أكثر تعقيدًا.
فنحن نتحدث عن جودة مياه.
وأعلاف.
ومصادر تغذية.
وملوثات بيئية.
وأحيانًا ممارسات إنتاجية غير منضبطة.
لذلك كنت وما زلت أرى أن أخطر مرحلة في سلامة الغذاء ليست داخل المطبخ…
بل قبل أن يصل الغذاء أصلًا إلى المطبخ حيث تركز الهيئة على التفتيش على الفنادق والمطاعم والمصانع دون الالتفات لهذا المجال الواسع والخطير.
لماذا كنت أرفض قصر الرقابة على المراحل المتأخرة؟
لنفترض أن جهة رقابية سحبت عينات من ألبان أو دواجن أو خضروات واكتشفت أنها تحتوي متبقيات دوائية أو كيميائية مرتفعة في المجازر والمصانع عند استلامها وحيازتها.
فماذا بعد؟
إما الإعدام وهذا يضرب الاقتصاد في مقتل حيث تسعى الدولة لتقليل فجوة العجز الغذائي لتقليل الاستيراد بالعملة الصعبة .
أو الرفض وهنا احتمالية تسرب هذه الاغذية الملوثة للاسواق الموازية وغير الخاضعة للرقابة والتي نسميها (تحت السلم).
أو إعادة التوجيه كأن تستخدم في الانتاج الحيواني مثلا وهذا ايضا قد يترتب عليه خطر طويل المدى.
وفي جميع الاحوال فالمشكلة أن الضرر الاقتصادي هنا يكون قد وقع بالفعل مع ان الحكمة تقتضي ان الوقاية خير من العلاج.
في الدول الغنية قد تتحمل المنظومة خسائر الإعدام.
لكن في دولة تسعى لتعظيم أمنها الغذائي وتقليل الفجوة الغذائية، فإن منع المشكلة قبل وقوعها أكثر كفاءة اقتصاديًا من اكتشافها بعد حدوثها.
لهذا كنت أرى أن الرقابة الحقيقية يجب أن تركز على “الوقاية قبل الإنتاج” وليس فقط “الكشف بعد الإنتاج”.
النقطة الثانية: من يمول الجهة الرقابية؟
اعتراضي الثاني كان يتعلق بتمويل الهيئة وبند قبولها الهبات والتبرعات والمنح ممن تراقب عليهم ( يعني يدفعوا الرسوم المقررة وفوقها البقشيش) فهل سيكون هناك عدل رقابي بين من يهب ومن لا يهب؟؟؟؟.
وأنا هنا لا أتهم أحدًا ولا أتحدث عن أشخاص.
لكنني أتحدث عن مبدأ معروف عالميًا:
كلما زادت استقلالية الجهة الرقابية ماليًا، زادت الثقة في حياديتها.
ولهذا كنت أرى أن تمويل الجهات الرقابية يجب أن يكون مبنيًا على قواعد تضمن أكبر قدر ممكن من الاستقلال المؤسسي
ومن الأمور التي يجب ان تنتبه اليها الهيئة وتأخذها بعين الاعتبار ايضا الملوثات التي تسبب خطورة على المدى الطويل مثل الأكريلاميد ومكسبات اللون والطعم والرائحة الموجودة في كثير من الأطعمة التي لا تقتصر على الشيبسي فقط والتي أثبت العلم أنها قد تكون من مسببات السرطان على المدى الطويل بينما تعتبرها الهيئة آمنه وتمنح منتجيها رخصة القائمة البيضاء وهذا يذكرني بالخطورة الصحية للسجائر والمعسل وبالرغم من ذلك مصح بهما
وعندما سمعت لنظرية الدكتور ضياء العوضي ونظام الطيبات الغذائي وأسم بالله أني لم اسمع عنه الا بعد وفاته والضجة التي أثيرت حوله فوجدته يمنع الدواجن والالبان والبيض والخضروات والبطيخ لنفس مخاوفي من احتمالية تلوثهم بالمتبقيات سالفة الذكر.
وهل أتفق مع دكتور ضياء العوضي؟
الإجابة المختصرة:
أتفق وأختلف.
أتفق معه في أن هناك بالفعل تحديات حقيقية تتعلق بسلامة الغذاء.
وأتفق معه في أن سوء الممارسات الزراعية أو البيطرية أو التصنيعية قد يؤدي إلى تعرض المستهلك لمخاطر حقيقية.
لكنني لا أتفق مع تحويل هذا إلى قاعدة عامة تقول إن هذه الأغذية أصبحت محرمة أو يجب الامتناع عنها كلية.
فالأساس في الأشياء الإباحة.
والمشكلة ليست في الدجاج.
وليست في اللبن.
وليست في البيض.
وليست في الخضروات.
المشكلة الحقيقية هي:
كيف أُنتجت؟
وكيف روقبت؟
وكيف وصلت إلى المستهلك؟
الخلاصة
أنا لا أدعو الناس إلى الخوف من الطعام.
ولا أدعوهم إلى مقاطعة غذائهم.
لكنني أدعو إلى شيء واحد فقط:
أن ننتقل من ثقافة “فحص المنتج النهائي” إلى ثقافة “إدارة المخاطر عبر السلسلة الغذائية كاملة”.
لأن سلامة الغذاء الحقيقية لا تبدأ عند باب المصنع…
بل تبدأ من أول بذرة زرعت…
وأول حيوان تمت تربيته…
وأول لتر ماء دخل في الإنتاج.
وهذا ما زلت أؤمن به بعد عقود من العمل في المهنة
وخاصة أن الأساس في الأشياء هو الحل ما لم يرد فيه نص كقول الله تعالى من سورة المائدة:
(حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع الا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وان تستقسموا بالأزلام) ( المائدة) ……………………..ولكني معه في أنها بالرغم من انها حلال شرعا الا انها ملوثة وغير آمنة وتسبب امراضا
وهو ما لا يقل خطورة على اقتصاد بلدنا الحبيبة مصر لما تتكبده من استيراد لادوية السرطان والفشل الكلوي والكبدي نتيجة سوء المدخلات من أكل وشرب وهواء معظمها ملوث
فلماذا لا نستحث الرقابة الذاتية ونستثير ضمائرنا لتكون هي رقيبنا فيراعي الفلاح ومربي الدواجن ومنتج الألبان ومنتج الأسماك وغيرهم ضميره ويعلم أن الله رقيبه ولا ضرر ولا ضرار ومن غشنا فليس منا ونراعي قول ( أتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) وقول رسوله (اعمل ما شئت كما تدين تدان)
فملخص هذا المقال كلمة من أربعة أحرف هي (ض م ي ر)
ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
مع تحياتي د / أسامه عباس .



