
تحول الأغلبية المسيحية إلى الإسلام 6
بقلم خالد البنا
مصر بين روما وخلقيدونية والفتح الإسلامي
كيف مهّد الصراع المسيحي المسيحي لتحول مصر التاريخي
حين نقرأ تاريخ دخول الإسلام إلى مصرنقع في خطأ شائع جدًا أننا نتخيل مصر وقتها مجرد:
دولة مسيحية هادئةثم جاء المسلمون فانتزعوها بالقوة.
لكن الحقيقة أن مصر قبل دخول عمرو بن العاص كانت تغلي من الداخل
دينيًا،وسياسيًا،ومذهبيًا.
بل إن الصراع الأخطر وقتها لم يكن أولًا
بين المسلمين والمسيحيين، بل بين المسيحيين أنفسهم.
أولًا ما هو مجمع خلقيدونية
لفهم ما حدث يجب العودة إلى مجمع خلقيدونيةسنة 451م.
وكان هذا المجمع محاولة من الإمبراطورية الرومانية المسيحية لتوحيد العقيدة المسيحية رسميًا.لكن المجمع أقرّ صيغة لاهوتية حول طبيعة المسيح رفضها كثير من مسيحيي مصر.
ماذا كان الخلاف الخلاف كان حول
طبيعة السيد المسيح.
فالكنيسة البيزنطية الرسمية قالت بصيغة لاهوتية معينة عن الطبيعة الإلهية،
والطبيعة البشرية للمسيح.
بينما رأت: الكنيسة القبطية الأرثوذكسيةأن هذه الصيغة لا تعبر عن إيمانها الصحيح.
وهنا بدأ الانقسام الكبير.
كيف تعاملت روما مع الأقباط
هنا تبدأ المأساة.
فالإمبراطورية البيزنطية لم تعتبر الأمر
اختلافًا فكريًا بسيطًا، بل
تمردًا دينيًا وسياسيًا.
ولأن الدولة كانت تعتبر
وحدة العقيدة وحدة الإمبراطورية، فقد بدأت تضغط على الكنيسة القبطية المصرية.
هل تعرض الأقباط للاضطهاد
كثير من المصادر القبطية والتاريخية تقول
نعم.
وخاصة في بعض الفترات التي اشتد فيها نفوذ الدولة البيزنطية.
وتحدثت هذه المصادر عن:
عزل بطاركة،
ونفي رجال دين،
وضغوط مذهبية،
واضطهاد ديني وسياسي.
وقد بالغت بعض الروايات أحيانًا بحكم الحس الديني والتاريخي، لكن المؤكد أن العلاقة كانت متوترة جدًا.
هل كان المصري يشعر أن الحاكم محتل
إلى حدّ كبير نعم.
فالحاكم البيزنطي بالنسبة لكثير من المصريين كان:
يوناني اللغة،
روماني الثقافة،
مفروضًا من القسطنطينية.
أي أن المصري القبطي لم يكن يشعر دائمًا أن:
الإمبراطورية تمثله دينيًا أو قوميًا بالكامل.
ما قصة البابا القبطي والبابا الروماني
ظهر صراع بين
البطريرك القبطي المصري،
والبطريرك الموالي لروماالقسطنطينية.
فبعد خلقيدونية، بدأت الدولة البيزنطية أحيانًا تعين بطاركة موالين للعقيدة الرسمية الإمبراطورية، بينما كان الشعب القبطي يتمسك ببطاركته الوطنية.
أي أن مصر شهدت أحيانًا:
بطريركًا تدعمه الدولة،
وآخر يدعمه الشعب القبطي.
وهنا تحول الدين إلى:
صراع سلطة وهوية أيضًا.
هل هرب الأنبا بنيامين فعلًا
البابا بنيامين الأول يُعد من أشهر الشخصيات في هذه المرحلة.
وتذكر الروايات القبطية أنه تعرض لملاحقة شديدة في عهد: كيرس المقوقس الموالي للسلطة البيزنطية.
وتقول الروايات إنه اضطر:
للاختباء،
والتنقل،
والهرب إلى صعيد مصر، وربما إلى مناطق جبلية قرب أسيوط وغيرها.
وهذا يعكس حجم التوتر الديني والسياسي وقتها.
هل قُتل أخوه بإلقائه في البحر
تذكر بعض الروايات القبطية أن أخا الأنبا بنيامين تعرض لتعذيب شديد وقتل قاسٍ، ومن ضمن الروايات المتداولة
وضعه داخل جوال وإلقاؤه في البحر.
لكن هنا يجب الحذر العلمي.
فهذه الروايات:
موجودة فعلًا في التراث القبطي، لكن التفاصيل الدقيقة يصعب دائمًا التحقق منها بالكامل بعد قرون طويلة.
ومع ذلك فهي تعكس:
شعور الأقباط العميق بالاضطهاد من الحكم البيزنطي.
لماذا لم يقاوم المصريون المسلمين بقوة هائلة إذن
هنا نفهم الصورة كاملة.
فعندما دخل المسلمون، لم يدخلوا على مجتمع:
موحد،
وراضٍ عن السلطة البيزنطية.
بل على مجتمع:
منهك،
ومنقسم مذهبيًا،
ومتذمر من الحكم الروماني.
ولهذا لم تحدث مقاومة مصرية شعبية كاسحة طويلة المدى كالتي قد نتخيلها اليوم.
كيف تعامل المسلمون مع الكنيسة بعد الفتح
تقول الروايات التاريخية إن: عمرو بن العاص سمح بعودة: البابا بنيامين الأول بعد اختفائه الطويل.
وهذا جعل قطاعات من الأقباط ترى أن:
الحكم الإسلامي الجديد، قد يكون:
أقل تدخلًا في عقيدتهم من الحكم البيزنطي السابق.
المفارقة الكبرى
المفارقة العجيبة أن
المسيحي المصري لم يرفض فقط حكم المسلم لاحقًا، بل كان قبل ذلك يرفض أحيانًا حكم المسيحي الروماني نفسه.
وهذا يثبت أن الصراع لم يكن:
“إسلام ضد مسيحية” فقط، بل:
سياسة،
وهوية،
وقومية،
ومذهب،
وصراع سلطة.
هل هذا يعني أن المسلمين كانوا ملائكة
لا.
فالتاريخ الإسلامي أيضًا عرف:
تمييزًا،
وصراعات،
وفترات توتر.
لكن فهم سقوط الحكم البيزنطي في مصر مستحيل دون فهم: مجمع خلقيدونيةوما سببه من جرح عميق داخل المجتمع القبطي المصري.
كلمة أخيرة
إن تاريخ مصر في القرن السابع الميلادي ليس قصة بسيطة عن:
غزاة،
وضحايا.
بل قصة عالم كامل كان ينهار ويُعاد تشكيله:
دينيًا،
وسياسيًا،
وحضاريًا.
فقد دخل المسلمون مصر، لكنهم دخلوا أيضًا إلى:
أزمة داخلية قديمة،
وصراع مذهبي مشتعل،
وشعب فقد ثقته في السلطة البيزنطية.
ولهذا فإن فهم تحوّل مصر إلى العالم الإسلامي لا يبدأ فقط من:
السيف، بل يبدأ أيضًا من:
جراحٍ عميقة سبقت دخول السيف بقرون.

