قلم رصاص يقول الطمأنينة وكيف نصنع راحه البال بنور الايمان

بقلم كاتب الصعيد
حسين أبوالمجد حسن
من مرافئ الصخب المائج في بحار الحياة ومتاهاتها المتشابكة يفر المرء باحثا عن مرفأ يرسو فيه بقلبه المتعب فلا يجد أغلى ولا أثمن من سكينة النفس وهدأة السرائر تلك الجوهرة النادرة التي تشرئب إليها أعناق الملوك والفقراء على حد سواء إنها راحة البال التي تنبع من داخل الذات ولا تباع في أسواق المادة بل تصاغ في محاريب الأرواح الموصولة بالسماء
وفي زمن أصبحت فيه الضغوط النفسية والقلق والتوتر والاكتئاب من أكثر ما يبحث عنه الناس في العالم العربي باتت راحة البال مطلبا إنسانيا عالميا يسعى إليه الجميع فكم من إنسان يملك المال والشهرة لكنه يفتقد السكينة وكم من بسيط يعيش مطمئن القلب لأنه عرف الطريق إلى الله فأضاءت الطمأنينة روحه وامتلأت حياته بالرضا والسلام الداخلي
البال سر السكينة وموطن الفكرة
إن البال في فياض لغة العرب هو الخاطر والقلب والحال وهو مجمع الفكر ومصب المشاعر وحينما تفيض الروح بالدعاء أصلح الله بالك فإنها تطلب صياغة جديدة للحال تلبس النفس دثار الطمأنينة وثوب الاستقرار فراحة البال ليست خلو الحياة من عوارض الكدر ونوازل العسر بل هي تجلي السكينة العلوية في قلب المؤمن ليغدو كالطود الشامخ لا تزعزعه عواصف الأيام ولا تزلزله محن الزمان فيبيت هانئ الخاطر قرير العين موقنا بأن المقادير تجري بحكمة من لا يضل ولا ينسى
إن الإنسان حين يفقد راحة البال يشعر أن العالم كله يضيق فوق صدره وحين يمنحه الله نور الطمأنينة يصبح قادرا على مواجهة الحياة بثبات عجيب لذلك كانت السكينة أعظم كنوز النفس وأندر مفاتيح السعادة الحقيقية
نورانية الإيمان ترياق الأرواح الحائرة
حينما تظلم المسالك وتضيق بالمرء الأنفاس تشرق طاقة الإيمان النورانية لتبدد دياجير القلق الساكنة في الصدور فالإيمان ليس شعارا أجوف ولا كلمات منمقة بل هو جذوة نورانية تقدح في سويداء القلب فتحيل يأس الخوف رجاء وألم المحنة منحة إنها الطاقة التي تمنح الروح أجنحة تحلق بها فوق سفاسف الدنيا وضغوطها فتتحول كيمياء النفس من الاضطراب إلى الثبات المطلق ومن الشتات إلى الجمع على مرضاة رب العباد
ولذلك فإن علاج القلق النفسي والتوتر الداخلي لا يكون فقط بكثرة الهروب من المشكلات بل بالعودة إلى الله والتوكل عليه واليقين بأن كل أمر يجري بتقدير الحكيم الخبير فكلما ازداد تعلق القلب بالله ازدادت النفس قوة وثباتا وسكينة
مقام الثقة بالله واجب السر والعلن
ليست الثقة بالله ترفا فكريا يلوذ به الإنسان وقت الأزمات العابرة بل هي فرض لازم وعقد وثيق في كل الأوقات والظروف ففي هجير الشدائد تتجلى الثقة كالمظلة الواقية التي تحمي الفؤاد من لفح اليأس حيث يرى المؤمن بنور بصيرته أن الفرج يولد من رحم الضيق وأن فجر اليسر منبثق لا محالة من عتمة العسر وفي واحات الرخاء والسراء تكون الثقة بالمنعم حبل الوريد الذي يمنع النفس من الطغيان والغرور فتظل مخبتة منكسرة لعظمة الخالق مستشعرة أن تدبيره سبحانه هو الخير المحض والعدل المطلق
ومن أعظم أسرار النجاح النفسي أن يدرك الإنسان أن الله لا ينسى عباده وأن تأخر الفرج ليس حرمانا بل إعدادا وأن الأقدار مهما أثقلت القلب تحمل في باطنها رحمة خفية لا يراها إلا أصحاب اليقين
شكر المنعم سياج النعم الجالب للمزيد
إن من أعظم أسرار انشراح الصدور وتيسير الأمور لزوم شكر المنعم على آلائه الترادفة ونعمه السابغة فالشكر ليس حركا لسانيا عابرا بل هو فيض وجداني واعتراف قلبي بجميل العطاء واستعمال للجوارح في الطاعات والشكر هو الحارس الأمين الذي يعقل النعم الحالية ويستجلب العطايا المستقبلية فبذكر النعم والثناء على واهبها تتحول ضيق النظرة إلى سعة الأفق وينقلب التبرم رضا والضيق سعادة غامرة تنير جنبات العمر
إن الامتنان لله من أعظم أسرار الصحة النفسية الحديثة وقد أثبتت التجارب الإنسانية أن الإنسان الشاكر أكثر الناس استقرارا ورضا وقدرة على تجاوز المحن لأنه يرى نعم الله قبل أن يرى نقص الحياة
كيف تصل إلى راحة البال في زمن الضغوط
التحرر التام من أسر الماضي والتعلق بالمستقبل والعيش في حدود اليوم الحاضر
الارتواء من معين القرآن الكريم الذي يغسل أدران القلوب ويورث النفس طمأنينة لا تزول
الوقوف بين يدي الله بخضوع وخشوع لتكون الصلاة واحة الاستراحة من عناء السعي اليومي
رصد النعم المحيطة وتقييدها بالحمد والثناء بدلا من الالتفات للمفقود وحرمان الذات من بهجة الموجود
الابتعاد عن المقارنات السامة التي تزرع الحزن داخل النفوس وتقتل الرضا
تقليل الضجيج الرقمي ومتابعة الأخبار السلبية التي تستنزف طاقة الإنسان النفسية
مصاحبة الأشخاص الإيجابيين الذين يبثون الأمل ويعينون على الثبات النفسي والروحي
الاهتمام بالصحة النفسية والنوم الهادئ وممارسة التأمل والتفكر في نعم الله وآياته
راحة البال ليست حلما مستحيلا
إن راحة البال ليست معجزة بعيدة المنال بل قرار روحي يبدأ حين يدرك الإنسان أن السعادة الحقيقية لا تأتي من كثرة المال ولا من تصفيق الناس بل من قلب امتلأ بالله وثق بجلاله وشكر فضله فاستحق السعادة في الدارين
فإذا أردت أن تعيش مطمئن الروح هادئ النفس ثابت القلب فاجعل بينك وبين الله بابا لا يغلق ودع لسانك رطبا بالحمد وصدرك عامرا باليقين لأن الطمأنينة ليست هروبا من الحياة بل انتصارا داخليا على فوضى الحياة
وفى النهايه عزيزى القارىء
كاتب الصعيد يقول لك هو وقلم رصاص تلك الابيات فاحفظها واعمل بها
إذا ضاق صدرُكَ فاستعِنْ بربِّكَ
فنورُ اللهِ يمحو كلَّ ما أرهقَكَ
واجعلْ يقينَكَ في الإلهِ سفينةً
فالخوفُ يغرقُ والرجاءُ سينقذُكَ
واشكرْ إلهَ الكونِ دوماً خاشعاً
فالشكرُ بابُ النورِ حينَ يُرافقُكَ




