
حين تصل المعركة إلى شاشة الهاتف
بقلم خالد البنا
قراءة في قرار حجب حسابات معارضة على منصة X في مصر
لم تعد السلطة في العصر الحديث تخوض معاركها فقط في البرلمان،أو الصحف،
أو الميادين.بل أصبحت المعركة الكبرى تدور داخل الهاتف المحمول.فالتغريدة اليوم قد
تُشعل أزمة،أو تصنع رأيًا عامًا،
أو تهز صورة دولة كاملة.ولهذا لم يعد غريبًا أن تتحول منصات مثل X إلى ساحة صدام مفتوح بين الدولة،والمعارضة،والإعلام،والجمهور،
والأجهزة القانونية والأمنية.
1. القرار الأخير… ماذا حدث
أصدرت نيابة الشؤون الاقتصادية وغسل الأموال في مصر قرارًا بحجب وإيقاف عدد من الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي داخل مصر، تنفيذًا لحكم صادر عن المحكمة الاقتصادية. وشملت القائمة شخصيات معروفة مثل: عمرو واكد وعبدالله الشريف إلى جانب أسماء أخرى.
ووفق البيانات المنشورة، استند القرار إلى
تقارير من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات،
وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات،
مع اتهامات للحسابات المستهدفة بـنشر معلومات مغلوطة،والتحريض،وبث خطاب كراهية،والإساءة لمؤسسات الدولة.
2. لماذا أصبحت الدولة تخشى المنصات الرقمية
لأن الدولة الحديثة اكتشفت أن
الإعلام التقليدي لم يعد وحده يصنع الوعي.
فاليوم يستطيع شخص واحدمن خارج البلاد،
أو من غرفة صغيرة، أن يصل إلى ملايين البشر مباشرة.وهنا تشعر الدولة أن
السيطرة القديمة على المجال العام تضعف،
وأن المنصات الرقمية قد تتحول إلى:
أدوات تعبئة،أو تحريض،أو حرب نفسية،
أو نشر شائعات جماعية.خصوصًا في منطقة عربية عاشتثورات،واضطرابات،وحروبًا أهلية، بدأ كثير منها من فيديو… أو هاشتاج.
3. لكن أين يبدأ القلق الحقوقي
القلق يبدأ من سؤال شديد الحساسية
من يحدد الفرق بين المعارضة والتحريض
فالدولة تقول نحمي الأمن القومي.
بينما يقول المعارضون يتم خنق المجال العام
وهنا تقع الأزمة الكبرى في العالم العربي
غياب الثقة بين السلطة والمعارضة،
وتحول كل نقد أحيانًا إلى تهديد،أو مؤامرة،
أو خطر أمني.
4. العالم كله يراقب الإنترنت لكن بدرجات مختلفة
حتى الدول الغربية التي تتحدث كثيرًا عن الحرية تحذف محتوى،وتحجب حسابات،
وتفرض قيودًا، خصوصًا فيما يتعلق بالإرهاب،أو خطاب الكراهية،أو التضليل الإعلامي.
لكن الفارق في التجارب الديمقراطية غالبًا يكون في
1.وجود قضاء مستقل قوي،
2.ومساحات إعلامية متعددة،
وقدرة المجتمع على الطعن والمراجعة والنقاش العلني.
5. ماذا تكشف هذه الواقعة عن مصر
تكشف أن الدولة المصرية تنظر إلى: X وغيره من المنصات باعتبارهاجزءًا من الأمن القومي.
خاصة مع وجود حسابات تبث من الخارج،
وتصل إلى الداخل المصري،وتؤثر على الرأي العام،
وتناقش ملفات سياسية واقتصادية حساسة.
وفي المقابل، يشعر قطاع من المصريين أن:
المجال السياسي أصبح ضيقًا،
وأن الإنترنت بقي آخر مساحة للكلام، ولهذا فإن أي حجب يُفهم عندهم باعتباره
تضييقًا إضافيًا على التعبير.
6. هل الحجب يُنهي الأفكار
التجربة العالمية تقول ليس دائمًا.فالعصر الرقمي خلق واقعًا جديدًا الحساب المحجوب يعود باسم آخر،والفيديو المحذوف يُعاد نشره،
والمعلومة تنتقل في ثوانٍ.
ولهذا فإن المواجهة الأمنية وحدها قد لا تكون كافية.
7. ما الحل الأصعب
الحل الأصعب لكنه الأعمق هو بناء ثقة حقيقية،وتوسيع مساحات الحوار،
وتقوية الإعلام المهني،ورفع وعي الناس، بدل أن يصبح المجال العام كله قائمًا على:
المنع،أو الصدام،
أو التخوين المتبادل.
8. الأزمة الحقيقية في العالم العربي
أن الدولة العربية الحديثة ما زالت تعيش خوفًا قديمًا من الفوضى،والانقسام،والانهيار.
بينما يعيش المواطن العربي خوفًا آخر من
الصمت،وغياب المشاركة،
وتحول السياسة إلى مساحة مغلقة.
وبين الخوفين… تولد معركة الإنترنت العربية.
كلمة أخيرة
إن أخطر ما في العصر الرقمي ليس فقط
الحسابات،أو التغريدات،أو الفيديوهات.
بل أن الدولة والمجتمع دخلا معًا عصرًا جديدًا
لا يمكن فيه السيطرة الكاملة على الكلمة.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي لأي دولة ليس فقط:
كيف تحجب بل كيف تُقنع،وكيف تبني ثقة،
وكيف تجعل المواطن يشعر أن وطنه يسمعه،
لا يراقبه فقط.فالأمم لا تستقر طويلًا بالخوف وحده… ولا بالفوضى وحدها… بل بالتوازن الصعب بين الأمن،والحرية،وحق الدولة في الحماية،وحق الإنسان في الكلام.



