من القاع المصنوع إلى القمة المفقودة كيف يُعاد تشكيل وعي الإنسان

من القاع المصنوع إلى القمة المفقودة كيف يُعاد تشكيل وعي الإنسان
بقلم أيمن بحر
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتعبير بل أصبحت بيئة مصممة بعناية لإعادة تشكيل الوعي وتوجيه الانتباه نحو ما هو أكثر إثارة لا ما هو أكثر قيمة
ما نراه اليوم ليس انعكاسا صادقا للمجتمع بل صورة مشوهة يتم ضخها باستمرار حتى يعتادها المتلقي فيظن أن هذا هو الواقع الطبيعي
إن ما يحدث ليس صدفة بل منظومة دقيقة تقوم على مكافأة المحتوى الأسهل والأكثر إثارة على حساب الفكر والمعنى حيث تتحكم الخوارزميات في ترتيب ما نراه وتدفع نحو المحتوى الذي يضمن بقاء المشاهد أطول وقت ممكن دون اعتبار لقيمته
ومع هذا التوجه تتراجع القيم ويتقدم السطح ويصبح العمق عبئا بينما تتحول الأفكار الجادة إلى محتوى هامشي لا يجد طريقه إلى الجمهور
وقد امتد هذا التأثير من المنصات الرقمية إلى وسائل الإعلام التقليدية التي فقدت جزءا من رسالتها التنويرية لصالح محتوى استهلاكي يعتمد على الجذب السريع لا على بناء الوعي
وفي ظل هذا الواقع تآكل الدور التربوي للمؤسسات الأساسية في المجتمع من بيت ومدرسة وإعلام ليترك فراغا واسعا ملأته الخوارزميات التي باتت تؤثر في تشكيل الذوق العام وتحديد ما هو مقبول وما هو مرفوض
ولم تتوقف الأزمة عند حدود المحتوى بل امتدت إلى اللغة ذاتها حيث تراجعت العربية الفصحى أمام أنماط لغوية هجينة أضعفت الارتباط بالهوية الثقافية والمعرفية
إن أخطر ما نعيشه اليوم ليس فقط ما نراه على الشاشات بل ما أصبحنا ننتظره ونعتبره معيارا للحياة والنجاح حيث تحول الانتشار إلى قيمة بحد ذاته بغض النظر عن المضمون
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس ما الذي نتابعه بل كيف فقدنا القدرة على التمييز بين القيمة والضجيج
إن استعادة الوعي تبدأ من إعادة الاعتبار للاختيار الفردي وتحمل المسؤولية في ما نستهلكه من محتوى وإعادة بناء دور الأسرة والمدرسة والإعلام في صناعة الإنسان
وفي النهاية تبقى الحقيقة أن التغيير الحقيقي لا يأتي من الخارج بل من الداخل كما قال الله تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
وهي دعوة لإعادة التفكير في ما نستهلكه قبل أن نفقد تماما قدرتنا على استعادة ما كنا عليه




