
رحلة الروح المصرية: شهادة امرأة على مشارف الثمانين
بقلم خالد البنا
المشهد الأول: صباح في تل أبيب
تجلس أوديت على كرسيها الخشبي القديم، شرفة الشقة تطل على شارع ضيق مكتظ بالناس، صوت الباعة يعلو من السوق، ورائحة الخبز الطازج من الفرن المقابل تشعل ذكريات القاهرة. تغلق عينيها للحظة، تتذكر حارة اليهود في القاهرة:
“هناك، كانت رائحة الطحين والحلويات تفوح في كل بيت. أمي كانت تخيط الفساتين لنا، وكانت شقتنا تمتلئ بالضيوف من كل أنحاء العالم. الأرمن، والأقباط، والمسلمون، واليونانيون، والإيطاليون… كانوا جزءًا من حياتنا اليومية، ضحكاتهم وأصواتهم، روائح الطعام، وطريق النيل الذي كان يلمع عند الغروب… هذا كله كان مصر.”
المشهد الثاني: طرد من الوطن
تتذكر يوم الطرد المشئوم، سيارات مجهولة تتجول في الحارة، مكبرات الصوت تصيح بضرورة مغادرة منازلهم خلال أسبوعين. في الميناء، على سفينة متجهة إلى أثينا، كانت أيدي الأطفال ترتجف من البرد، والآباء يبكون بصمت. والدها، سلامة أفندي، بكى بصوت مكتوم:
“هذه ليست رحلة حج… نحن مطرودون من وطننا.”
أوديت لم تفهم، كيف يمكن أن يكون الحب والوطن مرتبطين بالتراب فقط؟
المشهد الثالث: الغربة في إسرائيل
وصلت إلى كوخ صغير في مدينة جديدة، جدرانه رمادية ورائحة الطين المبلل تخلو من دفء الماضي. تحاول أوديت تزيين المكان بقليل من الذكريات: صورة صغيرة للعائلة، وعيدان القصب التي كانت تُعطى لها في طوبة كمواسم احتفال بعيد الغطاس.
“في مصر، كنا نأكل القصب، والجزر، والزلابية، ونتقاسم الطعام بين جيراننا بغناء وأصوات الطبول. هنا، كل شيء صامت، كل شيء محسوب.”
المشهد الرابع: القاهرة في الثمانينات
عندما زارت القاهرة بعد عقود، وجدت المدينة تغيرت: حارة اليهود خاوية، المنازل مهجورة، الشوارع مظلمة، المجاري تطفح، لكن روح مصر لم تختفِ.
تمشّت في شارع العتبة، تتنفس هواء المدينة القديمة، وتشعر بروائح القهوة، والبلح، والزيتون من السوق. تقول:
“رغم الخراب، أنا ما زلت أمتلك مصر في قلبي… في كل زاوية، هناك ذكريات، أصوات ضحك، رائحة الحلويات، موسيقى عبد الحليم، حركات الأطفال، والمياه في النيل التي كنا نغطس فيها في عيد الغطاس.”
المشهد الخامس: الحياة اليومية المصرية
تتذكر أوديت تفاصيل الحياة اليومية:
صباحات القاهرة، أطفال يركضون في الشوارع بأقدام حافية، يحملون القصب والليمون كجزء من طقوس عيد الغطاس.
أمهات يصنعن الزلابية والفطير والحلويات، ويمزجن بين الروائح والضحك والموسيقى.
الشباب المسلم والمسيحي يضعون أعواد القصب على شكل صليب، ويغنون أغاني البلابيصة، ويغمسون أنفسهم في مياه النيل الباردة، معتقدين أن ذلك يقيهم من الأمراض طوال السنة.
المشهد السادس: الحب بلا مقابل
تحكي أوديت عن الحب في مصر:
“الرجال لم يحبونا لأننا يهوديات، لكن لأننا كنا بخفة دمنا وجدعتنا. أهدونا ورودًا، رسائل مجهولة، هدايا صغيرة… هذا الحب كان بلا مقابل، كان خالصًا من القلب. لم أشعر يومًا بمثل هذا الحب في أي مكان آخر.”
المشهد السابع: خاتمة الروح الإنسانية
تغلق أوديت عينيها وتبتسم، كأنها تمنح روحها لمصر مرة أخرى:
“مصر أعطتني كل شيء: الحب، الكرم، الكرامة، البيت الدافئ، رائحة الطحين، ضحكات الأطفال، أصوات الموسيقى في الأعياد. هنا تعلمت أن الوطن ليس فقط الأرض، بل الروح، الذكريات، والعلاقات الإنسانية.”


