رولا ابنه الشهيد التي اختصرت حكايه غزه في وجع واحد

بقلم الكاتب/حسين ابوالمجد حسن
ليست قصة رولا استثناءً في غزة، لكنها تختصر كل الحكايات، وتجمع وجع وطنٍ كامل في قلب فتاة واحدة. رولا ليست رقمًا في نشرة أخبار، ولا صورة عابرة على شاشة، بل ابنة شهيد، وذاكرة حيّة لحياةٍ كانت… ثم سُرقت.
تبدأ الحكاية كما تبدأ كل حكايات البيوت الفلسطينية البسيطة: بيت، وأب، وعائلة، وضحكات تملأ المساء. كان الأب حاضرًا في تفاصيل الحياة الصغيرة، يجلس مع أبنائه، يروي لهم القصص، يزرع فيهم الأمان، ويصنع من الضحك حصنًا في وجه الخوف. لم يكن بطلاً في كتاب، بل بطلاً حقيقيًا في حياة أسرته، بطلًا بلا أضواء ولا أوسمة.
ثم جاءت الحرب… كعادتها، بلا استئذان.
اثنا عشر نزوحًا، واثنا عشر اقتلاعًا من الجذور. من بيتٍ إلى شارع، ومن شارع إلى خيمة. قُصف البيت، وضاع الاستقرار، وتذوّقت العائلة مرارة الجوع قبل مرارة الفقد. لم يعرفوا يومًا معنى الأمان، ولم يعرفوا مكانًا يمكن أن يُسمّى وطنًا، سوى أنهم يحملونه في صدورهم أينما ذهبوا.
في النزوح الأخير، من الشجاعية إلى منطقة الصحابة، كان الأب يخرج باحثًا عن أبسط حقوق الإنسان: لقمة خبز. كيلو طحين. أي شيء يسد جوع أطفاله. كان يتضور جوعًا مثلهم، لكنه كان يخفي ألمه ليبقيهم واقفين.
وفجأة… جاء الاتصال.
خبر غير مؤكد في البداية، ثم اتصال ثانٍ حسم الحقيقة. طائرة “زنانة” باغتته مع اثنين من خيرة شباب الحي. كان في المنتصف، كأن القدر أراد أن يقول إن القلب دائمًا هو الهدف. لم يترك القصف جزءًا من جسده إلا وأصابه. شظايا في الرأس، في العين، في الجسد… وفي قلب العائلة.
ركضوا إلى مستشفى المعمداني، سبقهم البكاء، وسبقهم الوداع. رأوه مكفّنًا، صامتًا بعد أن كان ضاحكهم وحكّاءهم. التفوا حوله في وداعه الأخير، وأنشدوا له “قمر الشهيد”، لأنها كانت تليق به… فقد كان قمرًا في حياتهم، ونورًا انطفأ فجأة.
خرجت جنازته مهيبة، كما يليق بالآباء الذين يموتون وهم يبحثون عن الخبز لا عن الحرب. ودُفن الأب… ودفنت الحياة معه، كما تقول رولا. لم يبقَ لهم سوى الصبر، والانتظار الطويل لوعد الله:
“وبشّر الصابرين”.
قصة رولا ليست مجرد مأساة شخصية، بل شهادة حيّة على ما يعيشه أطفال ونساء غزة يوميًا. هي صوت كل ابنة فقدت أباها، وكل أسرة دفنت أحلامها تحت الركام. قصة تذكّر العالم بأن الشهداء لم يكونوا أرقامًا، بل آباءً، وأحبة، وحكايات لم تكتمل.
وفي غزة، حين يُدفن الأب… لا يُدفن الجسد وحده، بل يُدفن معه بيت، وضحكة، وحلم، ويولد جيل جديد من الصبر، اسمه: رولا.




