
من كتاب قل اللهم مالك الملك
تأليف خالد البنا
الصفحة الخامسة
حين تكون السلطة قبل الدولة
لم تكن الجزيرة العربية، قبل الإسلام، تعاني غيابًا للسلطة، كما لم تكن تعيش في فوضى كاملة، بل كانت تعيش في فراغ أخطر: فراغ الفكرة السياسية.
كانت هناك سلطة، نعم، لكنها سلطة بلا مفهوم جامع، وبلا إطار أخلاقي شامل، وبلا مرجعية تتجاوز القبيلة.
في هذا المجتمع، لم تُطرح السلطة بوصفها حقًا عامًا، ولا باعتبارها مسؤولية تجاه مجموع الناس، بل باعتبارها وظيفة حماية. من يستطيع أن يحمي، يحكم. ومن يعجز عن الدفاع، يُقصى دون جدل فلسفي أو نقاش أخلاقي.
وهكذا، تحولت القوة إلى معيار الشرعية الوحيد، وصار السيف هو الوثيقة السياسية الأولى.
شيخ القبيلة لم يكن حاكمًا بالمعنى الدقيق، بل كان رمزًا للتماسك. وجوده ضرورة لا اختيار، واستمراره مرتبط بقدرته على حفظ التوازن بين أفراد القبيلة، ورد العدوان عنها، والثأر لكرامتها إن لزم الأمر. لم يكن يُحاسَب لأنه فوق المحاسبة، بل لأن فكرة المحاسبة نفسها لم تكن قد نضجت بعد.
السلطة هنا لم تكن مؤسسة، بل علاقة شخصية.
علاقة تقوم على الولاء مقابل الحماية، وعلى الطاعة مقابل الأمان.
وإذا اختل هذا التوازن، لم تكن هناك وسائل قانونية للتصحيح، بل وسائل عنيفة: الانقسام، أو الانشقاق، أو الحرب.
في هذا المناخ، لم يكن الظلم غريبًا، بل كان نسبيًا.
يُدان إذا وقع داخل القبيلة،
ويُبرَّر إذا وقع على غيرها.
فالعدل لم يكن قيمة مطلقة، بل عرفًا قبليًا، يتغير بتغير موقع الإنسان داخل شبكة الانتماء.
وهنا تتضح واحدة من أخطر سمات الحكم قبل الإسلام:
أن الإنسان لم يكن يُنظر إليه باعتباره فردًا، بل امتدادًا لجماعة.
فلا ذنب فردي، ولا مسؤولية شخصية كاملة،
بل ثواب وعقاب جماعي،
وميراث من الدم لا ينقطع.
لم يكن هذا خللًا أخلاقيًا فحسب، بل خللًا سياسيًا عميقًا.
فالسلطة التي تُبنى على العصبية، لا يمكن أن تنتج عدلًا عامًا،
والحكم الذي لا يرى الناس متساوين، لا يستطيع أن يصنع دولة.
ورغم ذلك، لم يكن المجتمع العربي خاليًا من القيم.
كانت هناك نخوة، وكرم، وشجاعة، ووفاء بالعهد.
لكن هذه القيم، في غياب مرجعية عليا، ظلت مجزأة، تُمارَس داخل الدائرة الضيقة، ولا ترتقي إلى مستوى القانون العام.
ومن هنا نفهم لماذا لم تكن المشكلة في العرب،
بل في حدود النموذج الذي عاشوا داخله.
نموذج يصلح للبقاء، لكنه لا يصلح لبناء حضارة.
نموذج يحفظ القبيلة، لكنه يعجز عن احتواء الإنسان بوصفه إنسانًا.
في هذا السياق، يصبح سؤال الحكم سؤالًا معلقًا:
هل يمكن للسلطة أن تتحول من حماية الجماعة إلى خدمة المجتمع؟
هل يمكن للعدل أن يتجاوز حدود الدم والنسب؟
وهل يمكن أن يظهر نظام يرى الناس سواسية، لا قبائل متقابلة؟
هذه الأسئلة لم تكن مطروحة بوضوح،
لكنها كانت كامنة في عمق الواقع، تنتظر لحظة الانفجار الفكري والأخلاقي.
ومن هنا،
لم يكن ظهور فكرة جديدة عن الملك والسلطة ترفًا فكريًا،
بل ضرورة تاريخية.



