مقالات الرأي
أخر الأخبار

تراجع الإنسانية في تعاملاتنا اليومية

بقلم: احمد عبدالناصر

لم يعد سوء معاملة الناس لبعض مجرد مواقف عابرة نمر بها وننساها، بل أصبح ظاهرة محسوسة تفرض نفسها على حياتنا اليومية، نراها في الشارع، في المصالح الحكومية، في أماكن العمل، وحتى داخل البيوت. حالة من التوتر والحدة أصبحت تسيطر على الحوار، وكأن اللطف اختفى من القاموس، والاحترام أصبح رفاهية لا يحتاجها البعض.

في كثير من الأحيان لا تكون المشكلة في الكلمات التي تقال، بل في الطريقة التي تقال بها نبرة الصوت، الأسلوب، النظرة… كلها تفاصيل صغيرة لكنها تكشف عن حجم ما وصلنا إليه من جفاء، البعض يتعامل بمنطق “أنا أولاً، والباقي لا يهم”، وكأن العلاقات الإنسانية تحولت إلى سباق يجب على كل فرد أن يفوز فيه مهما كانت الخسائر.

الغريب أن معظم من يسيئون للآخرين لا يدركون حجم ما يتركونه خلفهم، كلمة قاسية قد تفسد يوم شخص، وتصرف غير لائق قد يكسر نفسا ضعيفة، وموقف واحد غير أخلاقي قد يخلق شرخا لا يصلطح، نحن لا نعلم ما يحمله الآخرون من هموم، ولا نعرف ما يخوضونه من صراعات داخلية تجعلهم في أمس الحاجة إلى كلمة طيبة أو معاملة لطيفة.

الأزمة الحقيقية ليست في سوء المعاملة ذاته، بل في اعتياد الناس عليه، وكأن القسوة أصبحت أمرا طبيعيا، وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع، لأن انعدام الرحمة يؤدي بالتدريج إلى انعدام الثقة، ثم إلى تفكك الروابط التي تجمع الناس.

نحن بحاجة إلى صحوة، إلى تذكير أنفسنا بأن التعامل بين البشر ليس معركة، وأن الاحترام لا يقلل من أحد، بل يزيده قيمة وهيبة، ولو أدرك كل فرد أن اللطف لا يكلف شيئا، وأن الكلمة الطيبة لا تنقص من كرامته، لتغيرت حياتنا كلها.

التغيير يبدأ من أبسط التفاصيل، أن نسمع قبل أن نحكم، أن نهدأ قبل أن نغضب، وأن نعامل الناس بما نحب أن نعامل به، فالإنسانية ليست شعارًا يُكتب، بل سلوك يُمارس في كل لحظة.

المجتمع القادر على النهوض ليس الأقوى اقتصاديا، بل الأقوى إنسانيا، وحين يعود الاحترام والرفق إلى التعامل بين الناس، سيعود كل شيء إلى مكانه الصحيح.

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى