الوجه الخفي لمصطفى كمال أتاتورك

الوجه الخفي لمصطفى كمال أتاتورك…
بقلم الكاتب/ حسين ابوالمجد حسن
باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية
القصه التي لم ترو من قبل
بين أسطورة الزعيم ومؤامرة «كوهين» لطمس هوية الأمة
عندما تُذكر كلمة «أتاتورك»، يتبادر إلى الذهن مباشرةً الرجل الذي غيّر وجه تركيا الحديثة، وقاد معركة الاستقلال، وأعاد بناء الدولة من تحت الرماد.
لكن خلف هذا المشهد البطولي الذي تروّج له الكتب المدرسية والإعلام الغربي، تختبئ قصة أكثر تعقيدًا… قصة رجلٍ لم يكن صانع القرار الحقيقي، بل مجرد واجهةٍ سياسية لمشروع فكري أكبر خطط له في الظل عقلٌ خفيٌّ اسمه موئيز كوهين.
البداية من مدينة سلانيك.. حيث وُلدت الفكرة
في أواخر القرن التاسع عشر، كانت مدينة سلانيك العثمانية – الواقعة اليوم في اليونان – من أكثر المدن تنوعًا في الدولة العثمانية: مسلمين، ويهود، ومسيحيين، وتيار متنامٍ من الملحدين والماسونيين.
في تلك المدينة، نشأ موئيز كوهين، وهو مفكر يهودي ينتمي إلى جماعة «الدونمة»؛ جماعة اعتنقت الإسلام ظاهريًا لكنها ظلت محتفظة بعقيدتها اليهودية سرًا، وتغلغلت في أجهزة الدولة العثمانية الحساسة.
من هناك، بدأ كوهين يُطوّر أفكاره حول «علمنة الشرق الإسلامي»، وكان يرى أن الطريق لإسقاط الإسلام يبدأ من إسقاط الخلافة العثمانية نفسها، التي كانت تمثل الرمز السياسي والروحي للمسلمين في العالم.
«كوهين».. المفكر الذي خطّط لعلمنة تركيا
عام 1928، نشر كوهين كتابًا بعنوان «التتريك»، وهو بمثابة البيان الفكري لمشروعه.
في هذا الكتاب دعا بوضوح إلى:
علمنة الدولة والمجتمع بشكل كامل.
فصل الدين عن السياسة والتعليم والقضاء.
إلغاء الشريعة الإسلامية واستبدالها بالقوانين الأوروبية.
إحياء القومية الطورانية بدلاً من الرابطة الإسلامية.
استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية.
منع المظاهر الإسلامية كالعمامة والحجاب والطربوش والأذان بالعربية.
ولإخفاء جذوره اليهودية، غيّر اسمه إلى منّيس تكينالب، وانتقل للعيش في فرنسا، حيث واصل نشاطه الفكري بعيدًا عن الأضواء، قبل أن يموت في صمت غامض.
أتاتورك.. التلميذ الذي تحوّل إلى منفّذ
مصطفى كمال، الذي عُرف لاحقًا بـ«أتاتورك» (أي أبو الأتراك)، كان ضابطًا طموحًا في الجيش العثماني.
تأثر بأفكار كوهين خلال خدمته في سلانيك، حيث كانت الدوائر الفكرية هناك تموج بالتيارات العلمانية والماسونية.
وحين أُتيح له الوصول إلى الحكم بعد الحرب العالمية الأولى، وجد في فكر كوهين الخطة الجاهزة لبناء تركيا الجديدة على أنقاض الخلافة.
وهكذا بدأ التنفيذ العملي للمشروع:
1️⃣ إلغاء الخلافة العثمانية رسميًا عام 1924، وهو القرار الذي هزّ العالم الإسلامي بأسره.
2️⃣ إلغاء العمل بالشريعة الإسلامية عام 1926 واستبدالها بالقانون السويسري.
3️⃣ إغلاق المدارس الدينية والزوايا الصوفية.
4️⃣ منع ارتداء الحجاب والطربوش واستبدالهما بالملابس الغربية.
5️⃣ تحويل الأذان إلى اللغة التركية ومنع استخدام العربية في المساجد.
6️⃣ استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية في اللغة التركية.
7️⃣ إلغاء العطلات الدينية واستبدالها بالعطلات الغربية.
8️⃣ منع استخدام الألقاب الإسلامية مثل “حاج” و”سيد” و”أفندي”.
كانت النتيجة صادمة: خلال عقدٍ واحد فقط، تم اقتلاع جذور هويةٍ إسلاميةٍ امتدت قرونًا، وتحويل تركيا من دولة الخلافة إلى دولة علمانية قومية منقطعة عن جذورها.
بين الحقيقة والتزييف
حتى اليوم، لا يزال الجدل قائمًا في تركيا والعالم الإسلامي حول شخصية أتاتورك:
هل كان مصلحًا وطنيًا أنقذ بلاده من الاستعمار؟
أم أداةً في مشروعٍ عالمي هدفه طمس الهوية الإسلامية وتحويل العالم الإسلامي إلى مجتمعاتٍ تابعة ثقافيًا وفكريًا للغرب؟
الوثائق التاريخية التي ظهرت في العقود الأخيرة تؤكد أن كثيرًا من القرارات الكبرى التي اتخذها أتاتورك كانت منسوخة حرفيًا من كتابات موئيز كوهين ورفاقه من دعاة «العلمنة الشاملة».
بل إن بعض المؤرخين الأتراك الجدد أشاروا إلى أن الدوائر الماسونية الأوروبية كانت ترى في أتاتورك «المشروع الأنسب» لإسقاط آخر حصنٍ للإسلام السياسي في القرن العشرين.
نهاية الحكاية… وبداية السؤال
رحل أتاتورك عام 1938، لكنه ترك وراءه جمهوريةً فقدت روحها.
تحولت المساجد إلى متاحف، والأذان إلى لغةٍ غريبةٍ على آذان المؤمنين، والحروف العربية إلى رموزٍ من الماضي.
لكن رغم كل ذلك، ظل الإسلام حيًا في قلوب الأتراك، حتى عادت روحه تدريجيًا في العقود الأخيرة مع جيلٍ جديد يبحث عن هويته المفقودة.
ويبقى السؤال الذي لا يموت:
هل انتهى مشروع موئيز كوهين؟
أم أنه ما زال يُعاد إنتاجه في أشكالٍ جديدة، في كل دولةٍ تسعى قوى الظل إلى علمنتها ومسخ هويتها الدينية
ما بين «كوهين» المفكر و«أتاتوركالمنفّذ، كُتبت واحدة من أخطر صفحات التاريخ الحديث.
صفحة علّمت العالم أن طمس الهوية لا يتمّ بالدبابات فقط، بل بالأفكار التي تُزرع أولاً في العقول.
ولذلك، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الشرق وا
لغرب، بل بين الوعي واللاوعي… بين من يعرف الحقيقة ومن يكتفي بواجهة القصة.




