التهديد النووي الروسي يعيد شبح سباق التسلح إلى أوروبا
تقرير :أيمن بحر
العالم أمام مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد التوتر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي على خلفية التطورات في منطقة بحر البلطيق وملف كالينينغراد حيث وجهت موسكو تحذيرات صريحة من إمكانية اللجوء إلى السلاح النووي إذا حاول حلف الناتو عزل الجيب الروسي عن بقية الأراضي الروسية
وفي أحدث تطور وجهت روسيا تحذيرا إلى حلف الناتو مؤكدة أن أي محاولة لعزل كالينينغراد قد تؤدي إلى رد عسكري واسع بما في ذلك استخدام الأسلحة النووية كما تضمنت الرسالة الروسية تحذيرات من استهداف مراكز صنع القرار في دول الحلف وهو ما اعتبرته دول غربية تصعيدا خطيرا في الخطاب النووي
وتكتسب هذه التهديدات أهمية خاصة لأن أوروبا تتعامل مع روسيا منذ سنوات في ظل الحرب المستمرة في أوكرانيا ولذلك فإن أي تهديد روسي مباشر لدول الناتو لا ينظر إليه باعتباره مجرد تصريحات سياسية عابرة بل يجري التعامل معه ضمن حسابات الردع والتصعيد واحتمالات سوء التقدير
واللافت أن موسكو سبق أن قدمت في ديسمبر 2021 مشروعات اتفاقات بشأن ضمانات أمنية إلى الولايات المتحدة وحلف الناتو تضمنت مطالب من بينها وقف توسع الحلف شرقا وعدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو وفرض قيود على انتشار القوات والأسلحة في دول أوروبا الشرقية كما طالبت موسكو بإنهاء أنشطة عسكرية محددة في أوكرانيا وأجزاء من شرق أوروبا
وبعد أسابيع من تلك التطورات بدأت روسيا عمليتها العسكرية واسعة النطاق ضد أوكرانيا في 24 فبراير 2022 حيث تعرضت الأراضي الأوكرانية لهجمات برية وجوية وبحرية من عدة اتجاهات
لكن من المهم هنا التفرقة بين الوقائع والتحليل فطرح موسكو في 2021 لا يعني تلقائيا أن الحرب التي بدأت في فبراير 2022 كانت مجرد تنفيذ آلي لتلك المطالب وإنما توجد عوامل سياسية وأمنية وعسكرية متعددة كانت جزءا من الأزمة التي سبقت الحرب
أما التطور الأكثر إثارة للقلق حاليا فهو انتهاء معاهدة نيو ستارت بين الولايات المتحدة وروسيا في 5 فبراير 2026 وهي المعاهدة التي كانت تضع حدودا قابلة للتحقق على الأسلحة النووية الاستراتيجية لدى البلدين وقد أدى انتهاء العمل بها إلى غياب القيود الثنائية الملزمة الرئيسية على الترسانتين النوويتين الأكبر في العالم
وكانت المعاهدة تحدد سقفا يبلغ 1550 رأسا نوويا استراتيجيا منشورا لكل طرف إلى جانب قيود على وسائل الإيصال الاستراتيجية وآليات للشفافية والتحقق
ومع انتهاء المعاهدة يخشى خبراء الحد من التسلح من زيادة مخاطر سباق تسلح نووي جديد خصوصا مع التطور السريع في الصواريخ الباليستية والأسلحة فرط الصوتية والأنظمة النووية الحديثة وغياب إطار شامل جديد يحل محل نيو ستارت حتى الآن
وفي المقابل يؤكد الأمين العام لحلف الناتو مارك روته أن الحلف لا يرى حاليا تهديدا وشيكا للأراضي التابعة له من جانب روسيا مشيرا إلى أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بالدفاع عن أوروبا بما في ذلك القدرات التقليدية والنووية كما دعا إلى التعامل مع التهديدات الروسية بهدوء وعدم الانجرار إلى تصعيد غير محسوب
وبالتالي فإن المشهد الحالي لا يعني بالضرورة أن حربا نووية على أبواب أوروبا وإنما يكشف عن ارتفاع مستوى المخاطر نتيجة تداخل الحرب في أوكرانيا والتوتر في بحر البلطيق والتنافس العسكري بين روسيا والناتو وانتهاء آخر معاهدة رئيسية للحد من الأسلحة النووية بين موسكو وواشنطن
العالم اليوم أمام معادلة شديدة الخطورة كلما ارتفع مستوى التهديدات النووية ازدادت الحاجة إلى قنوات اتصال واتفاقات للحد من التسلح وآليات تمنع سوء التقدير لأن الخطأ في الحسابات بين القوى النووية الكبرى قد تكون تكلفته أكبر من قدرة أي دولة على تحملها



